مقالات رأي
أخر الأخبار

الإسلام السياسي باق حتى تطلع الشمس من مغربها!

الكاتب| سري سمور

 
في المقال السابق (هل حقا مات الإسلام السياسي) ثمة ملاحظة سجلها بعض القرّاء بأنني لم آت على ذكر إيران وحركات الإسلام السياسي التابعة لها (الشيعية) مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن والأحزاب والفصائل الشيعية في العراق وغيرها. وحقيقة أنا تعمدت ذلك؛ لأننا نتحدث عن حركات الإسلام السياسي التي لا أب لها، وهي انعكاس للحالة السنية (الأمة هي السنة) فالسنة ليس لهم دولة عقدية تمثلهم وترعاهم وتنافح عنهم حاليا، وجهودهم لم تتكتل بعد لتكوين كيان أو كيانات تتولى الدفاع عن مصالحهم وحمايتهم.
 
 
وهناك من يرى أن تركيا في الوقت الراهن تمثل دور إيران بالتوازي، في مسألة تمثيل السنة؛ ولكن هذا الكلام تنقصه الدقة؛ لاختلاف دور تركيا عن دور إيران حاليا، وطبيعة وتركيبة الدولة والمجتمع والأولويات والسياسات في البلدين الكبيرين المسلمين الجارين. صحيح بأن تركيا تستقبل قادة وعناصر وبعض مؤسسات حركات الإسلام السياسي المحاصرة والملاحقة في أوطانها، كما أن الرئيس أردوغان يقدم خطابا متعاطفا معها كثيرا، ولكن ظروف تركيا الموضوعية مختلفة تماما عن إيران.
 
فإيران الحالية دولة نتجت عن فكرة (ولاية الفقيه) التي لا نظير لها في فقه أهل السنة؛ واختلاف المرجعية الفكرية والفقهية ينعكس على الحالة السياسية وغيرها، وللأبعاد الطائفية أو المذهبية التي لا تخفى على أحد، فإن إيران تعتبر نفسها أبا كبيرا مسؤولا عن مختلف بل كافة التجمعات الشيعية، وذلك بحكم نظام المرجعية بشقيه السياسي والديني والفكري. وكل جسم سياسي شيعي في المنطقة العربية(تقريبا) له ارتباط بإيران يتجاوز حالة التعاطف أو التحالف إلى حالة ارتباط عضوي، باتت لا تخفى على أي مراقب…فهل تركيا كذلك مع الأجسام السنية السياسية؟ لا طبعا، أقله في الوقت الراهن، وحتى لو تطورت الأمور مع تركيا أو غيرها من كيانات الأمة فإن فكرة المرجعية ليست بصورتها لدى الفقه الشيعي.
 
 
أضف إلى ذلك اصطدام إيران وسياساتها ببعض حركات الإسلام السياسي مباشرة أو غير مباشرة بسبب أولويات إيران وطريقة تعاطيها مع ملفات المنطقة وذلك تجلّى عند احتلال الأمريكان للعراق في 2003 والأحداث التي أعقبت تفجر الثورات العربية.. آمل أن هذه النقطة واضحة، علما بأن دراسة ظاهرة الإسلام السياسي بكليّتها يجب ألا تستثني إيران والحركات التابعة لها، بل هي في صلب أي دراسة معتبرة، ولكن هذا ليس موضوعنا.
 
الإسلام السياسي باق
 
إن من رأوا أن الإسلام السياسي قد مات أو انتهى أو استنفذ دوره، قد جانبوا الصواب، فالإسلام السياسي باق وسيظل موجودا ومؤثرا طالما أن هناك في الأرض أمة مسلمة، ولم تظهر علامات الساعة الكبرى التي لا ينفع -عندما تظهر- نفس إيمانها (ما) لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا، كأن تطلع الشمس من مغربها. فحتى لو حقق الإسلام السياسي انتصارات وحكم بلدانا وذابت الأجسام المنافسة له لسبب أو لآخر، فسيكون هناك تنافس بين تفرعات الإسلام السياسي ذاتها، ويمكن هنا أن نستدل على ذلك بحالة إيران وتنافس تيارات النظام فيها مثل التيار الإصلاحي والتيار المحافظ وهكذا.
 
 
ذلك أن العمل السياسي جزء مهم من الإسلام، وجميع محاولات بعض الوحدات السياسية والثقافية إعادة تقديم الإسلام كحالة تراثية شعائرية لا شأن لها بالحياة العامة مصيرها الفشل الذريع حتما؛ ذلك أن تلك المحاولات تتذاكى لإنتاج (إسلام دايت/كيوت) بطريقة ناعمة تقوم على يقين باستحالة تحريف النص، ولكن يدعون إلى إعادة قراءته وفهمه (بروح عصرية) والهدف النهائي واضح وصار مكشوفا وسيجلب ردّات فعل مزلزلة.
 
فكل من يدعي أو يرى بأن السياسة التي مارسها الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وصحابته والتابعين ومن بعدهم ليست من الدين أو هي فرع ثانوي فقط؛ فهو إما جاهل أو مغرض أو منخرط في المحاولات المستميتة لتقديم الإسلام بغير حقيقته الواضحة؛ فلا مجال لترك السياسة والعمل والاشتغال بها في الفهم الإسلامي الصحيح الذي باتت الأمة متشربة له، ومشبعة بفكرته أكثر مما يتصور حتى المتفائلون، وإن اختلفت مجاميع الأمة حول الأولويات والآليات والأدوات والأشخاص والأدبيات وطريقة التعاطي مع أوضاعها الداخلية والخارجية.
 
حالة عامة راسخة
 
إذا كانت حركات الإسلام السياسي قد أخفقت لأسباب ذاتية موضوعية، أو بفعل تدخلات خارجية ضاغطة بشراسة وقوة، وباتت في حالة حصار، وأصبحت مطاردة في غالب بلاد العرب، وظهرت بعض معالم وأعراض الهزيمة عليها، فإن المؤكد نجاح هذه الحركات عبر الجهد المتراكم وتغير الوعي الجمعي للأمة، بخلق فكرة متبلورة بأن الإسلام ليس دينا محصورا بين جدران المسجد، وباتت مسألة الحكم الشرعي حاضرة في تفكير الأمة، لدرجة أن التيارات التي كانت تجاهر بحربها على الإسلام ولا تتورع عن السخرية حتى من ثوابته، صارت تلوذ بمظاهر ومسلكيات وخطابات تحاول عبرها أن تثبت أنها ليست على خصام مع الإسلام بل هي ضد (من يتاجرون بالدين) أي حركات الإسلام السياسي، وهذا الأمر سيجعل الإسلام السياسي كفكرة تضرب جذورها أقوى ثم أقوى في عمق المجتمع وطريقة صياغته لأفكاره ورؤيته للحياة العامة وعلى رأسها الشأن السياسي، وسيجد هذا الوعي سبيله لينتظم بطريقة لا نريد أن نتوقع ملامحها ومعالمها، ولكن بالتأكيد ستكون متجسدة ومتبلورة ومتحركة حاملة لفكرة صريحة: السياسة جزء مهم من الإسلام ولا يمكن فصل الإسلام عن السياسة نهائيا.
 
 
وهذا ما تدركه الوحدات السياسية الاستبدادية، لذا فهي تعمل على زيادة رقعة البطش والقمع والإقصاء، لأنها تدرك أن حصنها فقط هو دبابة العسكر، لأن المحاولات الثقافوية آنفة الذكر، والفتاوى الشاذة مصيرها التحول إلى هباء منثور بأسرع وقت. وهناك مبالغة في وصف حالة حركات الإسلام السياسي؛ وأنا أؤكد أنها ليست على ما يرام وتعاني أزمات مختلفة، وتحتاج إلى تطوير وبلورة رؤية جديدة، ولكن هناك قناعة عند خصومها قبل محبيها أنه لو توجه الناس إلى صناديق الاقتراع ليختاروا ممثليهم بحرية حقيقية فإن هذه الحركات ستحصد نصرا كبيرا أو على الأقل فوزا لا يمكن القفز عنه، وهو ما يفسّر اتساع الهجمة الاستئصالية ضد كل ما يمت لهذه الحركات بصلة. وعلى كل حال فإن الرواية عن فشل حركات الإسلام السياسي، وما كتبه بعضهم عن مرحلة (ما بعد الإسلام السياسي) متسرعة ومنقوصة ومبتورة وتحتاج الصورة إلى توضيح وهو ما سأحاول شرحه في المقال القادم بعون الله تعالى ومشيئته.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق