مقالات رأي

جذور “العنصرية اللبنانية” ضد الفلسطينيين

الكاتب | ياسين عزالدين

تثير الحملة العنصرية الأخيرة في لبنان ضد الفلسطينيين (والسوريين) التساؤلات حول خلفياتها وأسباب هذا الحقد والكراهية الشرسة.

سأتناول هنا جذور هذه العنصرية والكراهية دون التطرق لتفاصيل ما حدث مؤخرًا، حتى نفهم بالضبط أين المشكلة ومن هو عدونا ولا نقع في فخ معاداة من يقفون معنا.

في الحقيقة لبنان دولة على الورق ولا يوجد شعب لبناني موحد، بل هي مجموعة طوائف تعيش في انعزال نسبي عن بعضها البعض، وهذه العنصرية الشوفينية التي نراها تأتي من قسم محددٍ فقط والذي يطلق عليه “المارونية السياسية”.

وتعود هذه التركيبة الخاصة إلى ظروف نشأة لبنان، فتاريخيًا كان جبل لبنان معقلًا للطائفة المارونية وللدروز أيضًا، وفي أواخر عهد الدولة العثمانية بدأت قبضتها ترتخي وأصبح هنالك استقلالًا أكبر للقوى المحلية في أنحاء مختلفة من الدولة، ومن بينها الجزء الجنوبي من بلاد الشام (فلسطين والأردن ولبنان).

وبدعم فرنسي الموارنة بالاستقلال ذاتيًا في جبل لبنان ثم جاء الاحتلال الفرنسي وقرر إنشاء دولة خاصة بالموارنة لتكون ذراعًا له، مثلما أنشأ الإنجليز المشروع الصهيوني، مع فارق جوهري أن الدولة اليهودية كان عليه أن تحضر سكانها من الخارج بينما الدولة المارونية سكانها موجودون.

ولأن مساحة جبل لبنان صغيرة لا تصلح لأن تكون دولة قام الفرنسيون بضم إليه مناطق: بيروت وصيدا وجبل عامل والبقاع وطرابلس فأصبحت لدينا دولة لبنان، وبما أن النسبة الأكبر من سكان هذه المناطق مسلمون لم تعد الدولة المارونية ذات أغلبية مسيحية كاسحة.

لكن الفرنسيون بنوا مؤسسات الدولة اللبنانية وأعطوا المسيحيين السيطرة على هرمها: رئيس الدولة وغالبية نواب البرلمان، بينما كان رئيس البرلمان من الشيعة ورئيس الوزراء من السنة.

ثم جاءت حرب النكبة وبما أن المارونية السياسية ترى نفسها جزءًا من أوروبا وليس من المنطقة العربية، عارضت دخول الجيش اللبناني الحرب ضد الصهاينة.

بعدها قدم عشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان غالبيتهم من المسلمين، وهنا رأت فيهم المارونية السياسية خطرًا مزدوجًا: من ناحية يهددون التوازن الطائفي في لبنان، ومن ناحية أخرى يهددون حلفاءها الضمنيين الصهاينة (فهما يعتبران نفسيهما قلاع متقدمة للغرب الأوروبي داخل المنطقة العربية الإسلامية).

وبدأ التدهور تدريجيًا بين الفصائل الفلسطينية والمارونية السياسية إلى أن اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، وكانت متعددة المحاور لكن أهمها محور مسلم – يساري لبناني فلسطيني وفيه بعض اليساريين المسيحيين، مقابل محور يميني مسيحي بقيادة المارونية السياسية مدعوم من الغرب ومتحالف مع الصهاينة.

وعلى خلفية هذا الصراع ارتكبت مجازر مثل تل الزعتر وصبرا وشاتيلا، وانتهت الحرب الأهلية باتفاقية الطائف عام 1991م بإعادة تركيب النظام الطائفي اللبناني وإعطاء المسلمين حصة مساوية للمسيحيين في البرلمان اللبناني، وفعليًا أصبح حلفاء سوريا من الشيعة (حزب الله وحركة أمل) يتحكمون بالمؤسسة الأمنية، لكن التوازنات الطائفية بقيت دون المساس بها جوهريًا.

طوال عشرات السنوات الماضية ازداد عدد المسلمين اللبنانيين مقابل المسيحيين نتيجة نسبة التكاثر العالية لدى المسلمين والهجرة العالية لدى المسيحيين، مما زاد شعور المارونية السياسية بتهديد فقدان لبنان “الهوية المسيحية الأوروبية” التي أرادها المستعمر الفرنسي.

فبدأت تزداد حدة العنصرية وخلق هوية لبنانية “فينيقية” لمواجهة الهوية العربية الإسلامية التي يرونها تهديدًا لهم، وهي ذات النظرة العنصرية عند الصهاينة.

وجاء تدفق اللاجئين السوريين ليزيد شعور المارونية بالخطر، لأن غالبيتهم من المسلمين السنة، فازدادت شراسة هذه العنصرية ويحاولون الآن ترجمتها إلى أفعال.

هذه العنصرية مقتصرة على أحزاب المارونية السياسية مثل الكتائب والقوات اللبنانية والتيار الوطني الحر وحلفاءهم من الطوائف المسيحية الأخرى مثل حزب الطاشناق الأرمني.

وفي المقابل فالمسلمون بكافة طوائفهم والدروز بعيدون كل البعد عن هذه العنصرية بل يقدمون كل المساعدة الممكنة حسب ما تسمح لهم التوازنات الطائفية، وعلى العكس فما قدمه حزب الله والجماعة الإسلامية للفلسطينيين والمقاومة الفلسطينية الشيء الكثير.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق