مقالات رأي

المقاومة في الضفة في زمن التنسيق الأمني المقدس

الكاتبة | زهرة خدرج

أحد عشر عاماً انصرمت ومضت في سبيلها منذ اغتيال الخلية القسامية في قلقيلية المكونة من المجاهدين الخمسة: محمد السمان، محمد ياسين، محمد عطية، إياد أبتلي، وعلاء ذياب، حيث استشهد الأربعة الأوائل، وكان الأسر من نصيب  المجاهد الخامس علاء ذياب.

بداية القصة:

سنوات ثلاث أمضتها الأجهزة الأمنية في ضيق وضنك وهي تبذل ما بوسعها وتسخِّر كل طاقاتها لتعقب خلية قلقيلية القسامية، في محاولات حثيثة للقبض عليها أو تصفيتها على حد سواء.. الهدف الرئيسي لدى الأجهزة الأمنية هو الانتهاء من هذا الملف وإغلاقه دون رجعة، فقد سببت لهم هذه القضية الكثير من الإحراج أمام المحتلين، خاصة وأن الأجهزة الأمنية تبذل أقصى طاقاتها لإقناع المحتلين بأنهم على قدر المسؤولية في ضبط الأوضاع في مناطق السلطة والسيطرة تماماً على أي بوادر ومحاولات للمقاومة والقضاء عليها قبل أن تولد.. إذن فما دامت هناك خلية قسامية مقاومة تدب على الأرض وتتنفس وتنبض.. إذن فالوضع جد خطير، ولا يمكن السكوت عنه.

في شهر مايو أيار من عام 2009 توفرت معلومات استخبراتية للأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية تشير إلى اختباء عضوين من خلية قلقيلية القسامية في بيت مهجور يقع في أرض خلفية ملاصقة لبيت عبد الناصر الباشا في حي كفر سابا من قلقيلية. تجهزت الأجهزة الأمنية انتظاراً لليل أن يدلهم، وينشر ستاره الداكن على الكون، عله يساعد تلك الأجهزة على إتمام ما اعتزمت عليه وأعدت له العدة والعتاد. وسكنت الحركة في أحياء المدينة، لتشرع الأجهزة الأمنية في محاصرة المكان الذي تتمركز فيه الخلية، وهم عازمون تمام العزم على عدم التراجع حتى إغلاق هذا الملف مهما كلفهم الثمن، فكان لا بد من النجاح في هذه المهمة.

حوصر المكان، بعدد كبير من قوى الأمن المدججة بالسلاح التي شرعت تنادي عبر مكبرات الصوت بعد منتصف الليل: محمد سمان.. سلم نفسك.. محمد ياسين سلم نفسك، نحن نعلم تماماً أنكم تتحصنون هنا، وشرعت قوى الأمن في الوقت ذاته تقصف المكان بكثافة، وتطلق نداءاتها للخلية بتسليم أنفسهم، ردَّ المجاهدان بالمثل، وشرعا يطلقان النار على المحاصِرين، فأخذت قوى الأمن تحاول الإيقاع بالمجاهدين وتغريهم بتسليم أنفسهم، إلا أن المجاهدين يعلمان جيداً الخديعة التي تدبر قوى الأمن خيوطها، فاشترطا مقابل إيقافهما لإطلاق النار أن يتم إفساح ثغرة لهما للانسحاب بأمان، ولكن قوى الأمن كثَّفت من قصفها للموقع، وانتهت تلك الليلة الدامية باستشهاد المجاهدين، بنيران أجهزة أمن السلطة، واستشهاد صاحب البيت والأرض الذي طالما أعان الخلية على الاختفاء، ولبى احتياجاتها “عبد الناصر الباشا”، كما أصيبت زوجته “هدى مراعبة” بأعيرة نارية في أجزاء مختلفة من جسدها وصفت جراحها حينها بالمتوسطة.

وصرحت الأجهزة الأمنية بعد العملية أن ثلاثة من أفرادها قد قُتلوا برصاص المجاهدين أيضاً. وانتشلت الأجهزة الأمنية جثث الشهداء وقامت بدفنهم بحضور فرد واحد من أسرهم.

ولم تنتهي القضية إلى هنا، فخلية قلقيلية القسامية عمادها خمسة أفراد وليس اثنان فقط، ما حدا بقوى الأمن إلى تكثيف جهودها الاستخباراتية، حتى تلقت معلومة استخباراتية من شخص قام بنقل أحد أفراد الخلية المتبقين إلى منزل المواطن عبد الفتاح الحسن في حي شريم (حسب ما ورد في تقرير بعنوان “حادثة قبو قلقيلية، معتقلون مغيبون بسجون السلطة” للصحفية مريم شواهنة على موقع  وكالة قدس الإخبارية).

لتبدأ من هنا الحلقة الأخيرة من حادثة القضاء على خلية قلقيلية القسامية، فقد اعتقلت الأجهزة الأمنية زوجة عبد الفتاح الحسن “مرفت صبري” وأخضعتها لتحقيق قاسي في محاولات جادة للحصول من مرفت على أي معلومة قد تفيدهم في الوصول إلى الخلية القسامية، وكان عبد الفتاح الحسن قد أخفى أفراد الخلية في سرداب حفره أسفل بيته، ولكن مرفت أنكرت تماماً أي وجود لمثل تلك الخلية في بيتها أو أنها تعرف شيئاً عنها، ولكن الأجهزة الأمنية لم تكن لتستسلم لذلك، فعمدوا إلى إحراق السقف الذي يوجد أسفله النفق، وهدموا الجدار، حتى وصلوا إلى فوهة النفق، ثم شرعوا يلقون قنابلهم داخله، وردَّ المجاهدون بإطلاق النار من الداخل، فتأكدت القوى الأمنية المحاصِرة بأنها لن تستطيع اقتحام المكان بدون خسائر بشرية، فما كان منهم إلا أن أحضروا أنبوباً سميكاً أدخلوه في فوهة النفق، وأفاضوا من خلاله المياه العادمة داخل النفق حتى أغرقوه، وأغرقوا من فيه من المجاهدين، لينتشلوا اثنين منهم بعد ذلك جثثاً هامدة، وهما “إياد أبتلي ومحمد عطية”، أما الثالث “علاء ذياب” فقد كان مصاباً إصابات بالغة، حيث اعتقِل وأدخِل المشفى وأزيلت رصاصات عدة من جسده، وما زال معتقلاً حتى الآن في سجون السلطة.

عبد الفتاح الحسن اعتقل أيضاً، وما زال مغيباً في زنازين معتمة لدى الأجهزة الأمنية يعاني ظروفاً صحية صعبة، بعد أن حُكم عليه بالسجن لاثنا عشر عاماً بتهمة إيواء ميليشيات مسلحة والتستر عليها.

11 عاماً مرت على اغتيال خلية قلقيلية وما زالت أجهزة أمن السلطة الفلسطينية تسير على ذات النهج في محاصرتها للمقاومة ومحاولاتها الدؤوب في القضاء عليها وتجفيف منابعها في الضفة غزة، بالرغم من أن الأراضي الفلسطينية تتآكل كل يوم، وتنحصر، وتلتهمها مستوطنات الاحتلال بلا رحمة.

11 عاماً ما زالت خلالها آلة القتل الصهيونية تتفنن في إراقة الدم الفلسطيني دون خجل أو وجل أو قانون يوقفها  عند حد.

11 عاماً وما زال مسجدنا الأقصى مدنس ومهدد، لا نستطيع دخوله والصلاة فيه إلا بإذن من الاحتلال، يغلقه متى شاء ويفتحه متى شاء.

11 عاماً وما زالت غزة العزة محاصرة تثقل عقوبات السلطة الفلسطينية كاهلها وتفقرها وتجوِّعها.

11 عاماً وما زالت الاعتقالات السياسية من قبل الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية لأصحاب الرأي المخالف من الفلسطينيين على أوجها، وتوسعت لتطال النساء دون أي اعتبارات فلا حرمة لشهر الصيام ولا لتقاليد المجتمع الفلسطيني الذي يعتبر اعتقال النساء قضية شديدة الحساسية.

11 عاماً على اغتيال مجاهدي القسام في خلية قلقيلية وتغييب عبد الفتاح الحسن خلف قضبان السجن، وما زالت الأحوال تنحدر إلى الأسفل كل يوم. فهل تكون فلسطين قد تحررت من الاحتلال وما يجري من انتهاكات هو مجرد حفاظ على الأرض المحررة؟؟؟.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق