مقالات رأي
أخر الأخبار

القرار صعب.. لكن احذر أن يكون فكرك مصدر رزقك

الكاتب| قاسم الشاعر

في السنوات الماضية أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي منصةً لكثير من الشباب المبدعين لعرض إنتاجاتهم الفكرية ونشر معارف منوعة وتقديم محتوى مميز في مجالات شتى. كانت هذه المنصات متنفسا للخروج عن وسائل التواصل الرسمية أو الحكومية فقدمت لنا الكثير من الآراء المستقلة عن كل تأثير إلا رغبتها الصادقة في النفع. لكن عيبها الأساسي أنها لم تكن مصدر رزق، فاضطر كل هؤلاء للبحث عن طريق آخر لكسب الرزق، مما حدّ من إنتاجيتهم وقلل من جودة مادتهم المقدمة.

لكن في الآونة الأخيرة، كُثر من هؤلاء “المؤثرين” أو منتجي المحتوى انضموا للعمل تحت شبكات إعلامية ضخمة. فأصبحوا أكثر قدرة على تقديم محتوى منتظم وبجودة أعلى. فاستفادت المؤسسات التي احتوتهم، واستفاد الشباب الذين أصبح عملهم الفكري مصدراً لرزقهم، واستفدنا نحن بالحصول على محتوى أكثر جودة… أو هكذا ظننا.

للأسف، انضواء هؤلاء الشباب تحت مظلة هذه المنصات الإعلامية حرمهم أهم ميزة كانت لديهم: الاستقلالية. مهما ادّعوا أن التمويل لا يؤثر في المحتوى وأنه غير مشروط ولن يغير من توجهاهتم، إلا أن القاعدة مضطردة: أطعم الفم تستحي العين. وإن لم تكن هناك سياسات تحريرية واضحة وصارمة، إلا أن “ثقافة تحريرية” ستسود -وإن كانت بشكل غير رسمي- محددةً اتجاهات العمل وما هو مسموح وغير مسموح. ولو لم يحصل أي من ذلك، إلا أن الشاب الذي اعتاد على مصدر رزق ثابت ومجزٍ من عمله، حين يصبح رزقه تحت التهديد ويصبح عُرضةٌ للعودة لحياة العوز السابقة في الغالب سيتنازل عن كل شيء للحفاظ على نمط حياة اعتاد عليه. ولو لم يتنازل فلن يعود لسابق عهده من إنتاج بلا دعم بسهولة لأنه اعتاد على أن يتكسب بعمله.

وإن كانت المأسسة مهمة لزيادة الإنتاجية، ووجود الدعم المالي مهم لضمان الاستمرارية والتفرغ وزيادة الإبداع، إلا أنها تفرض تبعية تضر أكثر مما تنفع، وهرمية تقيّد أكثر مما تسمح بإبداع، وسياسات تجبرك كتم كثيرٍ من الحق وإن لم تدفعك لتنصر باطلا. فالشر الحاصل بانضواء كثير من الناشطين أو المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي تحت لواء قنوات قطرية وتمويلها أكبر بكثير من أي خير سيأتي من دعمهم. أكان التمويل مشروطا أم لا، أكان مشبوها أم لا، أفرض عليك سياسات أم لم يفرض، مهما كانت الصورة أنت قيدت نفسك بنفسك!

ميزة وسائل التواصل الاجتماعي في عصرنا هي اللامركزية، الشبكية، الاستقلالية. وأي تمويل أو مأسسة سيحرمنا كل هذه الميزات وسيعيدنا لعصر المركزية والهرمية والتبعية والتقييد. ليس القرار سهلا، كل صاحب هَمّ يرغب أن يبذل كل وقته وجهده لإيصال هذا الهم لأكبر فئة والبحث في أسئلتنا وتقديم إجابات عليها. والحصول على تمويل يسمح لك بذلك هو نعمة كبيرة. لكن للأسف لا تمويل “نقي” في زماننا. وحين تقرر أن يصبحك عملك الفكري أو بحثك في هموم الأمة مصدرا لرزقك فاعلم أنك بدأت طريق الانحدار.

أنت هنا أمام مفترق صعب: إما أن تعيش كفافا وتكسب رزقا بسيطا من أي مصدر دخل يأتي من عمل مريح لا يستهلك وقتا كثيرا، لتوفر جل وقتك وجهدك للفكر فتنتج محتوى غنيا. أو تعمل بمهنة تعيش بها حياة كريمة لكنها تستهلك جل وقتك، وفيما تبقى من فراغ تنتج عملا فكريا متواضعا. أو تقرر أن تعيش بالفكر وتتكسب بفكرك، فهنا أنت أصبحت أداةً مهما حاولت. وإن كانت حياة الأول أقل بهرجة من الثالث، إلا أنها أعمق وأكرم. وإن كان إنتاج الثاني أقل جودة وكمّاً من الثالث، إلا أنه أصدق وأنفع. وإن كانت شجرة الثالث مورقة جذابة المظهر، إلا أن جذرها خَمِجٌ وثمرتها عَفِنة!

وإن حررت هذه الوسائل البعض من التبعية للتأثير الرسمي أو الحكومي أو المالي، إلا أننا لم نتحدث عن التأثيرات الداخلية من شهوات النفس كطلب الشهرة والرياسة ورضا الجماهير وحب الذات وغير ذلك من أمراض النفس. هنا نتحدث عن القلة التي لم يكن دافع إنتاجها من البداية أي من هذه المنطلقات.

يعني ما بنحكي عن “الانفلونسرز” أو “السوشلجية”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق