مقالات رأي

ما لا ندركه حول معيار “التدين” عند اختيار شريك الحياة؟

الكاتبة | إباء أبو طه

وصلني سؤال من إحدى الصديقات مؤخرا على صفحتي الشخصية على الفيس بوك، حول موضوع اختيار شريك الحياة ومما جاء فيه: كيف أتعامل مع معيار “التدين” عند اختياري لشريك الحياة؟

قبل أن نجيب على السؤال؛ يستوجب أن نتوقف على شرح مفهوم “التدين” كضرورة لتصحيح هذا المفهوم الذي ينطوي على العديد من الإشكاليات التي تسبب التباسا معرفيا لدى الناس.

الدين هو تنزيل إلهي؛ أي نصوص جاء بها الوحيُ من كتاب وسُنّة، والتدين تفاعل بشري؛ أي  تطبيق إنسانيٌّ لهذا الدين بما يوافق فهمنا له، فيترجم بسلوك تعبدي وأخلاقي فردي واجتماعي قويم .فالدين-إذن- غير التدين. فتدينٌ يكتفي بالعبادة ويترك السلوك، يترك خللًا في الحياة، فلا يكفي أن نصلي ونصوم ونؤدي الشعائر، بل لا بد من ترجمة لأثر الصلاة بحفظ الفرج، ورعاية الأمانة وغيرها.

وأمام هذا التعريف المقتضب، كيف يمكن للشريك أن يتعامل مع معيار “التدين” بطريقة سليمة عند اختياره لشريك الحياة، وكيف يؤدي هذا المعيار إن لم يقم على أسس سليمة إلى الوقوع في “شرك” سوء اختيار الشريك.

أنماط التدين: كمعيار لاختيار شريك الحياة

في واقع الأمر، هناك أنماط مختلفة من التدين التي تظهر وتتجلى في نفس الفرد، نمط تدين سلوكي (تعبدي) نمط تدين فكري (الفكر)، ونمط تدين روحاني (الوجدان)؛ هذه الأنماط الثلاثة قد تكون موجودة كلها في شخصية الفرد لكن يطغى طابع على آخر بصورة أكثر قوة ووضوحا؛ ربما لأسباب شخصية، فكرية، تربوية و”تنظيمية” في بعض الأحيان، لكنّ فهمنا لهذه الأنماط يدفعنا نحو اختيار سليم لشريك الحياة.

التدين الفكري، هذا النوع من نمط التدين يتمثل لدى الشخص الذي يملك سعة اطلاع في الدين وإلمام وإحاطة به، لكن  قد نجد لديه فتورا في أشكال التعبّد، فقد يكتفي بالشعائر المفروضة، أو بصيام رمضان فقط، فتغيب لديه النوافل وما شابهها، فالحضور الفكري في تدينه يطغى على أي نمط آخر.

فيما نمط التدين السلوكي، يكون حضور العبادات فيه بصورة كبيرة عما سبقه، فهو لا يتوقف على أداء الشعائر المفروضة، بل يتجاوزه للنوافل وقيام الليل وورد القرآن، فيولي اهتماما كبيرا بأداء النوافل والفرائض، ويكون حضور التدين السلوكي بمعناه الدقيق بشكل واضح في حياته اليومية.

أما النوع الأخير وهو نمط التدين الوجداني- الروحاني-، يحمل الأشخاص الذي يغلب عليهم هذا النوع من نمط التدين، عواطف جياشة وكبيرة تجاه الدين، لكنه قد يكون كسولا في أداء العبادات، بينما يحمل مشاعر صادقة وحميمية تجاه الدين، وقد نراه أول المدافعين إذا ما شتم أحدهم أو مس دينه بسوء فعل أو قول، لكنه فاتر في أداء ما يستوجبه التدين السليم والصحيح.

نماذج توضيحية لأنماط التدين

عند اختيار شريك الحياة، علينا أن نرى أولا إلى أي أنماط التدين نحن ننتمي، هل نحن يغلب علينا نمط التدين الفكري،أم الوجداني أم السلوكي؟ حتى يتسنى لنا الاختيار السليم وفق معيار “التدين” لشريك الحياة، وهنا نضرب بعض الأمثلة لتوضيح ذلك.

إذا ارتبط رجل ذو تدين فكري بامرأة تدينها سلوكي، أي يكتفي بالفرائض فيما هي تزيد عليها بنوافل، قد تجد أن تدينه غير مكتمل أو يشوبه أمر ما، مما يدفعها لحثه بشكل دائم على أداء ما هو خارج مفهوم نمط التدين الذي ينطبع به، عبر تذكيره الدائم ودفعه لأداء النوافل والسنن، والتي قد تشكل فيما بعد مصدر ضغط للشريك، وتحدث إرباكا في الحياة والعلاقة الزوجية.

لا سيما إن كانت هذه المرأة لا تدرك أن نمط التدين الذي يتسم به زوجها يدفعه نحو أداء نوع معين من الشعائر والسلوكيات الدينية. فتبقى تسعى في محاولات غير متناهية لدفعه لاعتناق التدين السلوكي الذي تحمله، وهذا بحد ذاته قد يشكل عبئا على الشريك الآخر. وهذا ما يدفع المرأة في أحيان كثير للقول : “أنا كنت بحلم برجل يصلي قيام الليل، ويقرأ ورد القرآن اليومي، ويصوم النوافل”.

وفي مثال آخر، إذا ارتبطت امرأة بنمط تدين عاطفي، برجل ذي نمط تدين فكري، فيمطرها دوما بنصائحه حول ضرورة فهم الدين وتطبيق أحكامه، ويتهمها بعدم تدينها وتقاعسها عن أداء العبادات، وأن عليها أن تبذل المزيد من الجهد في ذلك، وقد يوجه لها بعض الاتهامات غير المنطقية في أنها لا تهتم بما جاء به نصوص هذا الدين وما يحثنا عليه.

فيما هي تحمل في صدرها العديد من المشاعر الجياشة والحب الكبير لدينها، لكن يحبسها التكاسل والفتور. وهنا يبقى الشريك في حالة من الدفع الدائم لزوجته نحو أداء العبادات، ويصبح الأمر بمثابة نقطة ملتهبة تسبب إرباكا في علاقة الشريكين.

هل نمط التدين يجب أن يتوافق بين الشريكين أم أنه عنصر تكامل؟

توافق نمط التدين بين أي شريكين، لن يخلق ترددا – بالطبع- في اختيار شخص ما ليكون شريك حياة، لا سيما عند الأشخاص الذين يرون معيار “التدين” هاما في خطوة الاختيار هذه، فهم يجدون بذلك من يطابقهم في نمط التدين الذي يحلمون به ويبحثون عنه.

لكن ماذا لو كان هذا الشريك لا يطابق نمط التدين الذي نحمله؟ هل نشنّ عليه حربا؟ أم نخضعه لسلسلة من الضغوطات النفسية لعله يعتنق النمط الذي نريده؟ أم نتجاهله؟

في واقع الأمر يعتبر مفهوم “التكامل” ضروري للنظر في هذه المسألة، فالزواج في جوهره يقوم على التكامل الفكري والجسدي والعاطفي بين الشريكين، هذا التكامل يُبنى في أًصوله على فكرة “النقص” أي أن شخصية المرء يعتريها النقص في جوانب ما، قد تكون فكرية أو عاطفية أو سلوكية، ويأتي الزواج ليتمم هذا النقص بصورة تظهره “كاملا” عندما ينضم إحدى الشريكين للآخر. يعني زوج من نمط تدين سلوكي عندما يرتبط بامرأة من نمط تدين فكري، فإنه يجد في منطقها الدينيّ رجاحة واتساعا فيما هي قد تجد في تعبده الدائم نموذجا للاقتداء به.

كما أن فهم فكرة أنماط أو تمظهرات التديّن مهم لتحقيق التسامح بين المتدينين أنفسهم، أي أن نفهم أنّ الآخر صاحب النمط الغالب المختلف ليس خارج الدين، وليس مقصّرا وليس ذلك عيب فيه، بل هو “صورة أخرى”، وتحقيق شكل آخر للدين.

ما المطلوب إذن؟

من الجدير ذكره، أن الدين لايكمن في تمظهراته الخارجية فقط، فالتقوى مهمة أيضا في هذا الشأن، فالأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى، وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته، كما علّمنا النبي صلى الله عليه وسلّم حين قال عنها خلال متن حديث له : التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وهذا لا يكتشف إلا بالمعاشرة، وعليه فسيظل في الأمر دوما مفاجآت لاحقة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق