مقالات رأي

مخيم قلنديا ومستوطنة عطروت يختزلان صراعنا مع الاحتلال

الكاتب | ياسين عزالدين

اقتحمت قوات الاحتلال الخميس الماضي مخيم قلنديا وحررت مخالفات للسيارات والمحلات ووزعت إنذارات بالهدم وصادرت بضائع بقيمة 1.5 مليون دولارًا، حيث يمنع دخول البضاعة الفلسطينية إلى القدس بدون تصاريح خاصة.

خلال الأسطر القادمة سأروي لكم قصة الصراع الفلسطيني الصهيوني في البوابة الشمالية لمدينة القدس، والتي تمتد من مستوطنة عطروت ومخيم قلنديا جنوبًا إلى كفر عقب على امتداد أقل من خمسة كيلومترات، حيث تلخص وتختزل طبيعة الصراع مع هذا المحتل.

مستوطنة عطروت

 

تبدأ الحكاية في العام 1910م (أواخر أيام الدولة العثمانية) عندما نجح الصهاينة بشراء قطعة أرض بمساحة 243 دونم تابعة لقرية قلنديا بواسطة سمسار يدعى نخلة القطان، وفق ما يروي الباحث خالد عودة الله في دراسة عن مستوطنة عطروت.

أطلق عليها مستوطنة قلنديا في البداية ثم سموها عطروت نسبة إلى خربة العطارة، وهي قرية مهجورة تقع بين كفر عقب وقرية قلنديا، وقرأت في أحد المصادر ما يدل على أنها كانت مأهولة بداية العهد العثماني، لكن لا أدري متى هجرت ولماذا.

ووفق عودة الله كانت مستوطنة عطروت زراعية تقوم على تربية الأبقار، واضطر المستوطنون لإخلائها مع بدء الحرب العالمية الأولى عام 1914م نتيجة هجمات أهالي القرى الفلسطينية المجاورة الذين قتلوا حارس المستوطنة بعد خروجه نحو مدينة القدس، وكان من بين سكان المستوطنة الهاربين ليفي أشكول (أصبح لاحقًا رئيس وزراء الاحتلال بين عامي 1963م و1969م).

ويروي عودة الله كيف أخليت مستوطنة عطروت أربع مرات، الأولى كما أسلفنا عام 1914م، وعاد المستوطنون إليها بعد أن احتل الإنجليز فلسطين في 1917م، وبنى الإنجليز قرب المستوطنة مطار قلنديا.

كان الإخلاء الثاني للمستوطنة في 15/5/1948م بعد حصار دام أسابيع، وسبق ذلك تاريخ دموي تكبد خلاله المستوطنون خسائر في ثورة البراق (1929م) والثورة الكبرى (1936م)، كما قتل 17 جنديًا من الهاجانا انطلقوا من المستوطنة في معركة المصيون جنوبي رام الله بتاريخ 4/3/1948م، وقتل 14 من مستوطني عطروت في معركة شعفاط بتاريخ 24/3/1948م.

أعاد الاحتلال بناء المستوطنة بعد النكسة في 1967م لكن هذه المرة بنيت كمنطقة صناعية لتشغيل اليد العاملة الفلسطينية الرخيصة، كشكل آخر من أشكال الاحتلال ثم أخليت الكثير من منشآت عطروت وأغلق محل البيع بالتجزئة “الهمشبير” وأصبح قاعدةً لقوات حرس الحدود الصهيونية بعد الانتفاضتين الأولى والأقصى، وهو ما يصفه عودة بالإخلاء الثالث والرابع للمستوطنة.

ثم يتكلم عودة الله عن قيام رجل الأعمال الصهيوني رامي ليفي مؤخرًا بافتتاح فرع لسلسلة محاله في عطروت وكيف استقبل أول يوم بعد الافتتاح بهجمات بالزجاجات الحارقة.

نرى هنا كيف كان المشروع الصهيوني يتمدد ويتراجع طوال 110 أعوام بحسب مستوى المقاومة التي يواجهها، وهذا ينطبق على باقي منطقة البوابة الشمالية للقدس.

مخيم قلنديا وكفر عقب

فبعد إجلاء المستوطنين في حرب النكبة حل في المكان آلاف اللاجئين القادمين من قرى غرب القدس وقضاء الرملة، وأنشئ قسم من مخيم قلنديا للاجئين على جزء من أرض مستوطنة عطروت، ورغم أن الاحتلال أعاد بناء المنطقة الصناعية عطروت إلا أنه لم يجرؤ على إخلاء المخيم.

مع ذلك هدم أجزاء من المخيم من أجل توسيع مطار قلنديا الذي كان يخطط لتحويله إلى مطار دولي، إلا أن انتفاضة الأقصى دفعته لإغلاقه وما زال مهجورًا حتى اليوم.

في المقابل هنالك أجزاء من كفر عقب التي تقع إلى الجهة الشمالية من مخيم قلنديا يزعم الاحتلال أنها من أملاك المستوطنين، وسعى الاحتلال لطرد سكان أربع بنايات أقيمت على هذه الأرض قبيل اندلاع انتفاضة القدس عام 2015م لكن يبدو أن سخونة الأحداث دفعت الاحتلال لوضع هذا الملف جانبًا.

يعتبر حاجز قلنديا اليوم بمثابة بوابة القدس الشمالية والحد الفاصل بين القدس والضفة الغربية، لكن رسميًا وعلى الخرائط فالحد يقع إلى الشمال، حيث تنتهي مدينة القدس عند نقطة التقاء كفر عقب مع مدينة البيرة.

من حاجز المعلوفية إلى حاجز قلنديا

أقام الاحتلال بعد أوسلو حاجز المعلوفية (الخمارة) عند الحد الفاصل بين كفر عقب والبيرة، بوصفه الحدود بين القدس والضفة الغربية، وكان الحاجز نقطة احتكاك مبكرة ومواجهات كانت بمثابة شرارة الانطلاق في انتفاضتي النفق (1996م) والأقصى (2000م).

إلا أنه بعد وصول انتفاضة الأقصى ذروتها وبدء الاحتلال بناء الجدار الفاصل (2004م) قرر إخراج كفر عقب ومخيم قلنديا من المنطقة التي سيضمها الجدار، وفكك حاجز المعلوفية وأخلى معسكر سميرأميس القريب، وتراجع جنوبًا إلى حاجز قلنديا.

هكذا أصبح المخيم وكفر عقب خارج القدس عمليًا لكن رسميًا وعلى الورق بقيا ضمن حدودها، وهذا خلق حالة خاصة لهذه المنطقة، فالاحتلال لا يستطيع تطبيق قوانينه التعجيزية من ضرائب باهظة وهدم لمنازل بحجة عدم الترخيص، كونها أصبحت خارج الحاجز.

وهذا أدى لازدهار كبير في المنطقة وأصبحت مكانًا يفضله المقدسيون وأصبحت المنطقة الممتدة من حاجز قلنديا إلى رام الله مليئة بغابة من المباني الاسمنتية، يسكنها حوالي 56 ألف نسمة بحسب إحصائيات 2017م (تشمل المقدسيين وهويات الضفة).

بدا أن الاحتلال قرر التخلي عن هذه المنطقة مع مناطق أخرى مشابهة (مثل مخيم شعفاط)، ليضم باقي مدينة القدس بما فيه المسجد الأقصى والبلدة القديمة، إلا أنه تبين أنها كانت مجرد أوهام خصوصًا مع إعلان نتنياهو عن نيته ضم الضفة الغربية بأكملها.

عودة الاحتلال إلى المخيم وكفر عقب

 

وهنا نعود إلى ما بدأنا فيه أي الحملة التي شنتها قوات الاحتلال في المخيم صباح الخميس الماضي، فهذه كانت من أجل “فرض القانون والنظام” وفق بيان شرطة الاحتلال.

يبدو أن هدوء حاجز قلنديا وقلة المواجهات مؤخرًا أغرى الاحتلال ليحاول إعادة السيطرة على المخيم وكفر عقب بعدما فقدها إثر انتفاضة الأقصى، وهنالك حملة مشابهة في مخيم شعفاط.

لم تمر الحملة بهدوء فقد تصدى لها الشبان بالحجارة والزجاجات الحارقة، لكنها تؤكد على شيء واحد أن الاحتلال يسعى للعودة إلى ما خرج منه قبل 15 عامًا.

إلى الشرق قليلًا من بوابة القدس يقع معسكر الرام، عند مدخل بلدة الرام وهو محاط بمناطق فلسطينية، وهو نقطة مواجهات دائمة وتعرض لهجمات تخريب عديدة من قبل شبان الانتفاضة، وقبل سنوات قليلة قام شبان بالاستيلاء على سلاح جندي والانسحاب من المكان فكان قرار جيش الاحتلال بإخلاء المعسكر.

تم إخلاء 90% من القوات المتواجدة في المعسكر لكن أبقيت قوة رمزية صغيرة فيه، حتى لا يسيطر عليه الفلسطينيون، مما يؤكد على وجود نية بالعودة عندما تصبح الظروف مواتية.

في تقديري لو كان لدى السلطة الفلسطينية إرادة لنظمت مسيرات شعبية بعشرات الآلاف لإخراج الجنود المتبقين في المعسكر وتحريره بشكل دائم، لكن للأسف هي تجهل أبجديات الصراع مع الاحتلال.

في الختام

نلاحظ أن صراعنا مع الاحتلال لا يسير في اتجاه واحد، ففي مراحل نجد المشروع الصهيوني يتمدد ثم يتراجع ثم يعود للتمدد، وهذا يعتمد على مقاومتنا وقدرتنا على إلحاق الخسائر به.

إن سكتنا واستكنا تشجع الاحتلال وتقدم على حسابنا خطوات أخرى، وإن تألم انسحب وتراجع، والصهاينة أقل قدرة منا على احتمال الألم وهذا يعوضنا عن قلة تسليحنا وضعف إمكانياتنا.

كما لاحظنا أن الصراع ليس فقط مسلحًا بل يتخذ أشكالًا اقتصادية وديموغرافية (سكانية) والمقاومة الشعبية لها دورها بكل تأكيد.

والصراع الذي يدور داخل هذه الكيلومترات الخمسة هو ذاته الذي يدور في كامل فلسطين مع اختلاف التفاصيل، ولن ينتهي إلا بفناء أحد الطرفين: إما نحن أم هم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق