مقالات رأي
أخر الأخبار

مذبحة “دير ياسين” ودورها في نكبة فلسطين

الكاتب| ياسين عز الدين

مرت الذكرى الـ71 لمجزرة دير ياسين (9/4/1948م) وهي المذبحة الأكثر شهرة، رغم أنها لم تكن الأولى ولا الأكبر، رغم محاولة الدعاية الصهيونية تصويرها وكأنها المجزرة الوحيدة للتستر على باقي المجازر في تلك الحرب التي استشهد بها عشرات الآلاف وهجرت مئات الآلاف.
 
خلفية عامة:
 
بدأت الهجمات والمجازر الصهيونية بعد قرار التقسيم في 29/11/1947م وكانت تستهدف المناطق الفلسطينية القريبة من التجمعات الاستيطانية الكبيرة مثل يافا، فكانت مجزرة قرية العباسية في 13/12/1947م وأدت لاستشهاد 7 من أهالي القرية وطرد البقية.
 
كما فجرت العصابات الصهيونية مبنى السرايا في يافا في 8/1/1948م الذي كان تابعًا وقتها للشؤون الاجتماعية، مما أدى لاستشهاد 70 فلسطينيًا بينهم العشررات من الايتام.
 
تصاعدت المجازر في شهر نيسان (4) عام 1948م مع اقتراب موعد انسحاب بريطانيا من فلسطين، وبلغت هذه المجازر ذروتها حتى نهاية شهر أيار (5) ويقدر أن نصف اللاجئين تم تهجيرهم قبل إعلان قيام “دولة إسرائيل” وبدء الحرب رسميًا في 15/5/1948م.
 
وجاءت مجزرة دير ياسين ضمن سلسلة هذه المجازر، إلا أنه كان هنالك مجازر أكبر وأبشع في أوقات لاحقة: مثل مجازر الطنطورة قضاء حيفا (حوالي 300 شهيد) والدوايمة قضاء الخليل (حوالي 300 شهيد) ومسجد دهمش في مدينة اللد، حيث قامت العصابات الصهيونية بتجميع حوالي 90 رجلًا وشيخًا وطفلًا في مسجد دهمش ثم ألقوا عليهم القنابل اليدوية وأطلقوا النار حتى قتلوهم جميعًا.
 
بلغ عدد شهداء مجزرة دير ياسين المئة تقريبًا، رغم أن الرقم الشائع هو 240؛ ومن المفارقات أن مصدر هذا الرقم هو عصابة الأرغون التي ارتكبت المجزرة، والتي كانت حريصة على تضخيم “إنجازها” في القرية والقائم على دماء الفلسطينيين.
 
تفاصيل المجزرة:
 
كانت دير ياسين محاطة بعدد من المستوطنات التي كانت تملأ القدس الغربية، ولعدم وجود قوات تدافع عن القرية عقد مختارها هدنة مع قوات الهاجاناة الصهيونية.
 
قررت عصابتا الأرغون والليحي مهاجمة القرية واحتلالها، ولفهم المشهد أكثر: كانت عصابة الهاجاناة هي الأكبر وتمثل اليسار الصهيوني وأصبحت لاحقًا نواةً لجيش الاحتلال، أما الأرغون والليحي فكانتا أقل عددًا وتسليحًا وتمثلان اليمين الصهيوني.
 
وكان هنالك تنافس بين الطرفين وصل إلى الاحتكاك المسلح أحيانًا، مثلما حصل عندما استولت الهاجاناة على سفينة سلاح كانت قادمة إلى الأرغون، لأنها كانت تعتبر نفسها الجسم الشرعي المسلح الوحيد للحركة الصهيونية.
 
وكانت عصابتا الأرغون والليحي تريدان اثبات أنهما أقوى وأشرس من الهاجاناة وأكثر “حزمًا” ضد الفلسطينيين، فكان قرارهما بمهاجمة دير ياسين.
 
بدأ الهجوم فجر 9/4/1948م من أربعة محاور وحاولوا مباغتة أهل القرية، إلا أنه وقعت مقاومة شرسة (رغم قلة سلاح أهالي القرية) في اثنين من هذه المحاور، أدت لتكبد القوة المهاجمة خسائر كبيرة من بينها إصابة قائد الهجوم بجراح خطيرة.
 
ومع اشتداد القتال كادت الهزيمة تقع بالقوة المهاجمة فطلبوا المساعدة من قوات الهاجاناة، وعلى طريقة “أصحاب السبت” قررت دعم المهاجمين بالذخيرة وقصف القرية بالمدفعية دون إرسال مشاة لدخول القرية في “احترام” شكلي للهدنة مع القرية.
 
ونتيجة القصف المدفعي الشديد على القرية ونفاد ذخيرة المدافعين تمكنت القوة المهاجمة من احتلال القرية وارتكبت مجزرة فظيعة بحق النساء والأطفال، ثم اقتادت من بقوا على قيد الحياة واستعرضتهم بطريقة مهينة داخل شاحنات في شوارع القدس الغربية.
 
دور المجزرة في النكبة:
 
يقول مناحيم بيغين (زعيم الأرغون في حينه ورئيس وزراء إسرائيل لاحقًا) أنه لولا مجزرة دير ياسين لما قامت دولة إسرائيل، زاعمًا أنها دفعت بقيت الفلسطينيين للخوف والهرب وهذه مبالغة منه في تقدير دور المجزرة، فالفلسطينيون لم يهربوا من مجزرة واحدة وصمدوا وقاوموا وارتكبت بحقهم عشرات المجازر.
 
إلا أن كلام بيغن يدل على القيم التي يحتكم لها الصهاينة، فهم يتفاخرون بجرائمهم ضد الشعب الفلسطيني، وخاصة اليمين الصهيوني الذي كان وقتها مجرد أحزاب معارضة داخل الجسم الصهيوني (كان يتزعم الليحي وقتها يتسحاق شامير الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للوزراء)، واليوم أصبح اليمين بقيمه ومبادئه العدوانية هو المهيمن على السياسة الصهيونية بشكل تام.
 
طبعًا الهاجاناة ارتكبت مجازر أكثر بكثير من الأرغون والليحي وقتلت فلسطينيين أكثر بكثير بحكم أنها كانت أكثر عددًا وأفضل تسليحًا منهما، إلا أنها لم تكن لتتفاخر بالجرائم علنًا مثلهما.
 
اشتهرت مجزرة دير ياسين وأصبحت رمزًا للإجرام الصهيوني للأسباب التالية:
 
أولًا: قربها من مدينة القدس حيث كان الإعلام والصحافة، وكان مراسل نيويورك تايمز من أوائل الذين نقلوا تفاصيل المجزرة إلى الإعلام العالمي.
 
ثانيًا: تفاخر اليمين الصهيوني بالمجزرة وحرصهم على تضخيم دورهم في قيام “دولة إسرائيل” رغم قلة إمكانياتهم العسكرية وضعفهم مقارنة بالهاجاناة واليسار الصهيون
ي.
 
ثالثًا: حرص اليسار الصهيوني (حزب العمل) والهاجاناة (الذي أصبح جيش دولة إسرائيل) على التبرؤ من جرائمهم في فلسطين والتقليل من شأن ما قاموا به، فحاولوا إلقاء كل اللوم على “قلة من المتعصبين” وحصر ما حصل في النكبة بمجزرة دير ياسين.
 
في الختام:
 
لا شك أن مجزرة دير ياسين هي محطة هامة في تاريخ الشعب الفلسطيني ونكبته عام 1948م لكنها كانت مجزرة واحدة من بين عشرات ومئات المجازر، والتي لم تتوقف بانتهاء الحرب بل ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا.
ياسين عزالدين
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق