مقالات رأي
أخر الأخبار

رسالة الأسرى إلى السلطة وجميع الفصائل والمؤسسات الحقوقية والإنسانية

الكاتب | وزير الأسرى السابق وصفي قبها

مع ساعات ما قبل مغرب يوم الأربعاء 3ـ4ـ2019، وبفضل من الله عز وجل فقد تنسمت هواء الحرية ومن على معبر الجلمة شمال مدينة جنين بعد تسعة شهور أمضيتها في الإعتقال الإداري حيث لا تهمة محددة، وإنما هناك ملف سري يعده جهاز الشاباك ويقدمه للمحكمة ولا يحق للأسير ولا محاميه من الاطلاع على هذا الملف.

رسالة الأسرى في سجون الإحتلال التي أضعها أمام جميع الفصائل والتنظيمات والمؤسسات الحقوقية والإنسانية والسلطة الفلسطينية واضحة وجلية وحيث لا لبس ولا غموض ولا مواربة.

رسالة توقظ النائمين، وتنبه الغافلين، وتشجع المترددين، وتوحد المخلصين للتصدي لتغول الإحتلال الذي يستفرد بالأسرى.

الأسرى سئموا الكلام، وملوا الشعارات، فكفى متاجرة ومزايدة بمعاناتهم، الأسرى يريدون دعم وإسناد حقيقي وممارسة فعلية على أرض الواقع، يريدون حراك تضامني فاعل وليس فعاليات خجولة كما يحصل الآن حيث لم ترتق الفعاليات التضامنية إلى المستوى المطلوب.

الأسرى يريدون وقفة جماهيرية وتضامن مؤسساتي شعبي ورسمي كبير وعلى مختلف الأطر والمستويات.

الأسرى علقوا الجرس واتخذوا قرارهم بالتصدى للرزمة الرابعة من العقوبات التي بدأت مصلحة سجون الإحتلال الإسرائيلي بفرضها على الأسرى بشكل عام وأسرى حركة حماس على وجه الخصوص.

الأسرى لم يبق لديهم ما يخسروه، ولسان حالهم هل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها؟! أقسام حماس الآن بمثابة علبة كبريت قابلة للإشتعال في أي لحظة.

الأسرى ليس هدفهم الإضراب عن الطعان والجوع وتعريض حياتهم للخطر، ولكن.. إذا لم تكن إلا الأسنةُ مركباً، فما حيلةُ المضطر إلا ركوبها.

إن همجية وحقد وزير الأمن الداخلي ” جلعاد أردان ” وعدم خبرته ومعرفته بتفاصيل إدارات السجون وحيثيات وتفاصيل الحياة الاعتقالية اليومية وشخصنة الأمور وتوظيفها في دعايته الانتخابية في الهجوم على الأسرى وتصعيد حدة التوتر داخل السجون، سيقلب السحر على الساحر.

الأسرى يطالبون بتحسين ظروفهم المعيشية، ووقف التصعيد الإسرائيلي بحقهم، ويطالبون بإزالة أجهزة التشويش على الهواتف النقالة.

سهام الليل لا تخطىء، فأكثروا من الدعوات للأسرى بأن يدبر الله لهم لأنهم لا يحسنون التدبير وأن يرد كيد المحتلين الى نحورهم وأن يمن الله على أسرانا بالحرية.

فلا يخفى عليكم ما يتعرض له أسرى الشعب الفلسطيني في سجون الإحتلال الإسرائيلي، من تصاعد في عمليات القمع والتنكيل والتضييق في إطار ما يعرف بِـ “رزمة العقوبات الرابعة ” التي عنوانها الأبرز تركيب أجهزة التشويش التي تنبعث منها الإشعاعات التي تُلحق الضرر في جسم الإنسان وتشكل خطر حقيقي على حياته، وتحول دون ممارسة الأسير لحقه بالتواصل مع عائلته والإطمئنان عليها وفق ما كفلته لهم القوانين الدولية وحقوق الإنسان.

ولا يخفى على الجميع بأن لأسرى وبطرقهم الخاصة قد تمكنوا من توفير أجهزة الإتصال لغالبية ألأقسام في غالبية السجون وايضاً وفق ما تسمح به ظروف الإتصال التي تحكمها عدد ونوعية الأجهزة التي تمَّ توفيرها وذلك في اطار صراع الإرادات مع مصلحة السجون التي تبذل كل ما بوسعها لمنع ذلك، ولكنَّ الأسرى ابدعوا في تذليل العقبات والتغلب على المعيقات وتجاوزها، وقد بدأت هذه الرزمة بتركيب أجهزة التشويش في ألأقسام التي يُحتجز فيها أسرى حركة حماس في سجني مجدو وجلبوع وكان ذلك يوم 26ـ1ـ2019، وقد امتدت حملة تركيب هذه الأجهزة القاتلة في بعض اقسام حماس في سجني النقب ورمون.

ولا شك ان إستهداف أسرى حماس هو مقدمة لإستهداف كل الأسرى وعلى مختلف إنتماءاتهم التنظيمية ومشاربهم الفكرية وتوجهاتهم السياسية، وقد اثبتت رزم العقوبات السابقة ذلك ولسان الحال ” ألا أكلت يوم أكل الثور الأبيض “.

ومن هنا يمر أسرى حركة حماس في هذه الأيام في ظروف غاية في الصعوبة تعتبر الأصعب والأخطر في تاريخ الحركة الأسيرة جراء خطورة أجهزة التشويش وآثارها السلبية المترتبة على تركيبها وتشغيلها.

وما يتعرض له الأسرى من عمليات قمع وأشكل تنكيل وصور شتى من امتهان الكرامة، قد فرضت المواجهة وجعلتها حتمية بل وعجلت بها وحرقت العديد من مراحلها عندما توجت بعمليات الطعن التي تمت في سجن النقب وحرق الغرف في سجون جلبوع ورمون والنقب، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الرزمة الأولى قد فرضت بعد ان جاءت المقاومة الفلسطينية بالجندي جلعاد شاليط أسيرا في حزيران من العام 2006، وقد أطلق على قانون العقوبات الجديد في حينه والذي تمارسه مصلحة سجون الاحتلال على أسرى الشعب الفلسطيني بِ “قانون شاليط “.

وبعد أن قامت حركة حماس بأسر ثلاثة مستوطنين في حزيران من العام 2014 فرضت الرزمة الثانية من العقوبات ومع كل رزمة جديدة تتفاقم معاناة الأسرى ويتم التضييق عليهم اكثر فأكثر، وقد جاءت الرزمة الثالثة بعد أن قام وزير الأمن الداخلي في حكومة الإحتلال بزيارة قسم 9 في سجن مجدو صيف عام 2016 حيث تمَّ تكليف الشيخ صالح عطية للحديث معه وتوصيل رسالة أسرى حماس له.

واليوم تجيء الرزمة الرابعة في سياق الهجمة الصهيونية المستمرة التي جعلت من تفاقم معاناة الأسرى والتبارى بالهجوم عليهم مادة انتخابية في اوساط الأحزاب الصهيونية من أجل كسب الأصوات في الإنتخابات المزمع إجراؤها يوم 9ـ4ـ2019 وأسرى حماس يتعرضون لجملة عقوبات وانتهاكات وقمع غير مسبوق وعزل لقيادات الحركة وعلى رأسهم رئيس الهيئة العليا لأسرى حماس في سجون الاحتلال المجاهد محمد عرمان “ابو بلال”،كما أن أسرى الحركة ودون غيرهم تُفرض عليهم غرامات باهظة ويتم اقتطاعها من مستحقاتهم وحسابات الكانتين الشخصية خاصتهم، ومنع اسرى الحركة من الإلتقاء بمحاميهم.

بل ووصلت درجة الوقاحة والصلف بأن إدارة سجن مجدو قررت يوم الإثنين منع الصليب الأحمر من الإلتقاء بأسرى حماس في سجن مجدو الأمر الذي دفع بموظفي الصليب بالتهديد إما زيارة الجميع ومن كافة الفصائل أو الغاء زيارة جميع الأسرى، فرضخت إدارة السجن، كما ويمنع أسرى الحركة من زيارة عائلاتهم وذويهم وتمَّ وقف كافة زيارات أسرى الحركة وفي كافة السجون ودون غيرهم، وحرموا حتى من بعث الرسائل البريدية، كما ولم تسمح مصلحة السجون من أن يزيد رصيد كانتينا الشخص عن 800 شاقل، وهكذا تستمر سياسة التضييق والتنغيص وتحويل حياة أسرى حركة حماس إلى جحيم لا يُطاق.

لذلك ليس غريبا أن تسود هذه الحالة من التوتر مع زيادة الضغوطات عليهم، وعليه قرر الأسرى الذهاب حتى النهاية وكسر قرارات المحتل ووقف الهجمة الشرسة بحقهم، وبدأوا بخطوات متدرجة كانت المرحلة الأولى بعدم التعاون مع ادارات السجون في جوانب كثيرة من ادارة الحياة الاعتقالية اليومية من اجل اشعار الإدارة بخطأ ما تقوم به من إجراءات وكان ذلك مع بداية شهر آذار/مارس الماضي، ولكن إدارات السجون لم تتعظ وحاولت التأقلم مع الواقع الجديد على الرغم من زيادة الحمل والأعباء عليها.

فقرر الأسرى الذهاب إلى المرحلة الثانية وهي حل الهيئات التنظيمية وهكذا قام أسرى حركة حماس وفي كافة السجون بحل الهيئات التنظيمية الأمر الذي يلقي بكل الأعباء على كاهل الإدارة التي تضطر للتعامل مع كل أسير مباشرة ولتقوم بأعباء توزيع الطعام وفي اقسام أخرى من توزيع وجبات الطعام جاهزة كما هو الحال في قسم 4 من سجن مجدو حيث يتواجد 75 أسير من أسرى حماس تمَّ قمعهم من الأقسام في سجن النقب وفتح قسم ثالث لأسرى حماس في سجن مجدو، وحل الهيئات التنظيمية يعني وجود حالة من الفوضى والإرباك وعدم الضبط وزيادة حدة التوتر والإحتكاك المباشر مما يعني أن الإدارة تضطر لزيادة حجم القوى البشرية إلى أكثر من خمسة أضعاف.

وعلى سبيل المثال فعلى كل عدد وكل فحص فبدل أن يكون طاقم الفحص من ثلاث عناصر من شرطة الأمن، وسبعة عناصر على العدد فقد تضاعف عدد افراد الطاقم إلى أكثر من عشرين عنصرا على الفحص وحوالي أربعين عنصراً على العدد، وحيث هناك فحص صباحي وآخر مسائي، وهناك عدد صباحي وآخر قبل الظهر وثالث بعد المغرب ( عدد ليلي) تكون عناصر الوحدة مزودة بكل معدات وادوات القمع والحماية، فعند العدد ينتشر كل عنصر على باب أحد الغرب ويقوم بتغطية فتحة الباب (شناف) والشبك بمصدات بلاستيكية خوفا من قيام أحد الأسرى من سكب ورش الزيت المغلي أو الماء المغلي على وجوه وأجساد العناصر، ومنع العناصر أمام باب الغرفة المنوي عدها ويقوم إثنان بتغطية الباب بالمصدات قبل فتحه وضابط العدد من فوق اكتاف عناصر الأمن يقوم بإجراءات العدد والتشخيص للأسرى الذين لا يسمح لهم بالاقتراب من الباب.

وذلك خوفاً من قيام الأسرى بسحب احد العناصر داخل الغرفة والاعتداء عليه، بينما يكون هؤلاء العناصر معززين بعناصر أخرى خلفهم وأخرى تنتشر على الغرف المحيطة بالغرفة المنوي أجراء العدد، وعند الفحص يقوم عدد من العناصر بعمل حاجز بشري قبل فتح باب الغرفة ويخرج الأسرى واحدا تلو الاخر ويتم إحاطتهم بحواجز يشرية داخل دائرة من المصدات البلاستيكية وذلك قبل ان يدخل ثلاثة عناصر وإجراء الفحص الأمني للغرفة، وهكذا عند إخراج أحد الأسرى من القسم فإن ذلك يتطلب أعدادا مضاعفة من عناصر الأمر بينما كان في السابق لا يلزم الأمر أكثر من عنصر واحد.

كل ذلك يجعل ادارات السجون وأمنها في حالة استنفار دائم ويتم تقليص الإجازات لعناصر الأمن والمسؤولين الكبار الذين يطلب منهم الإشراف المباشر وعدم ترك الأمور لصغار الرتب من الضباط، هذه الإجراءات قد زادت من حدة الإحتقان لدى الأسرى نتيجة امتهان الكرامة والإستفزاز والقمع فحصل ما حصل من عمليات طعن.

المرحلة الثالثة هو إضراب النخبة حيث كان من المقرر أن يدخل الإضراب عن الطعام والماء ثمانية من كبار الكوادر وقيادات الأسرى يوم 7/4 وقد تمَّ تأجيل هذه الخطوة إلى يوم 11/4 لإعتبارات موضوعية تدارسها الأسرى فيما بينهم، وهذا سيزيد من حجم الضغط على مصلحة السجون التي لا سمح الله لو لحق ضررا أو أذى بأسير ستنفجر السجون، لأنها أشبه ما تكون بعلبة كبريت.

المرحلة الرابعة دخول الأسرى في اضراب عن الطعام على ثلاثة أفواج يبدأ الفوج الأول يوم 17/4 ( يوم الأسير الفلسطيني) على ان لايزيد الفارق الزمني بين فوج وآخر عن سبعة أيام، وقد سمعت في أذني وشاهدت بأم عيني أن هناك من الأسرى من يطالب الأمير في سجن مجدو ليكون هو في الفوج الأول ويقيني ان المسؤولين المشرفين على تنظيم افواج المضربين عن الطعام لإجراء القرعة بين الأسرى لتحديد الفوج الذي يكون فيه الأسير، وهذا يعكس همة عالية وروح تحدي كبيرة وارادة صلبة وهذا مؤشر يقلق مصلحة السجون جدا لذلك تتححرك بين السجون لمحاولة انتزاع مواقف واللعب على التناقضات الا ان الأسرى حسموا أمرهم فالعنوان الأول هو رئيس الهيئة العليا الأخ محمد عرمان ومساعديه من أعضاء الهيئة، وللعلم يوم الثلاثاء إضطرت مصلحة السجون بإخراج الأخ عرمان من عزل عسقلان ونقله الى سجن آيشل، واحضار الأخ مهند شريم من سجن هداريم إلى سجن آيشل وتجميع عددا من الكوادر لإجراء حوارات جادة وفق ما افاد به ضباط أم السجون.

لا شك أننا لا نهوى الجوع ولا نسعى إليه ولكن،إذا لم تكن إلا الأسنةُ مركباً، فما حيلةُ المضطر إلا ركوبها، فيد الاحتلال الحديدية ستفلها أصحاب الهمم العالية والارادة الصلبة وعزم الأبطال فتهديدات الإحتلال لا تخيف الأسرى ولن تثنيهم عن عزمهم التصدي لتغول وجرائم السجان وجبروته لأن ما يتعرض له الأسرى من مؤامرة كبرى وهجمة شرسة يأتي ذلك في سياق خطة منظمة وممنهجة للإلتفاف على حقوق الأسرى وسحب ما حققوه عبر عقود بالدم، وإلا لماذا تمنع مصلحة السجون من بيع راديوات الترانزستور (إف. أم) في الكانتين وهذا الإجراء جزء من العقوبات المفروضة ضمن الرزمة الرابعة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق