مقالات رأي

في حب العراق ..

ساري عرابي - باحث فلسطيني

لم ألاحظ كتابة واسعة عن كارثة غرق عبارة الموصل في نهر دجلة، مع أني قد عرفتُ أخيرًا أنني لست الوحيد المفتون بالعربية الفصحى بصوت العراقيين، وكأننا نحن العرب، قد انتزعنا في لحظة غامضة من العراق، ثم نثرتنا يد مجهولة على هذه الرقعة الفسيحة، فظلت نفوسنا مشدودة، إلى تلك اللكنة الآسرة، وكأنها لكنتنا الأولى التي أضعناها، وظلت قلوبنا ترتجف كلما سمعنا كلمة (العراق) بلسان عراقي، لا تدري أهي الفخامة، أم الحزن العتيق، وكأنّ (دجلة) يمر من صدورنا إذا قرع اسمه أسماعنا..
جيلنا تشرب لكنة العراقيين بالفصحى من مسلسلات الكرتون، وكنت أغرق في أجواء مسلسل “أحلى الكلام- مدينة القواعد”، والحق أنني كنت أغرق في أصوات العراقيين. تخيّل،الآن، يا ابن العربية، في أي صورة تبدو لك العربية، وأنت تسمع قصيدة فصيحة بصوت عراقي!
ثم أنا غارق في خيالاتي عن مدينة أبي جعفر المدوّرة، وفي مسجد الكوفة، طربًا لضجيج حلقة أبي حنيفة، ومناكفات زفر وأبي يوسف.. أنا لا أبالغ، إنني أجمع في كل يوم عقلي، أبني “مدينة السلام” لبنة لبنة على الوصف المذكور في الكتب، وأجول بين حلقات مسجد الكوفة، أرقب عبد الله بن المبارك، يتسلل خلسة من حلقة سفيان إلى حلقة أبي حنيفة، وأقول لو أن الله يهبني رؤية مناظرة الشافعي لمحمد بن الحسن.. أشغلني العراقيون قديمًا وحديثًا، وصارت من أمنياتي اليوم أن أتمشى في زقاق النجف وأنظر إلى دورها القديمة، وأتنفس داخل مكتباتها المعتّقة!
نحن الفلسطينيين، منذ فجر القضية اعتقدنا أن نصرًا ما سيأتينا من العراق.. حينما كانت طائرات الاحتلال تعربد في سماء قريتنا في حرب 67 خرجت النساء من المغر الرومانية يهتفن للطائرات العراقية! يحسبن طائرات العدو طائرات العراقيين، إنها حكاية قديمة منذ نبوخذ نصر.. كل فلسطيني حصّن بيته خشية من “كيماوي صدام” وفعل المستحيل لالتقاط إذاعة بغداد، اعتلى بيته يهتف لصواريخ “الحسين” و”العباس” وهو يراقب مناورتهما في سماء فلسطين مع الباتريوت الأمريكي.
ما أكثر أحزان العراقيين، وخيبات الفلسطينيين..
رحم الله شهداء الموصل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق