مقالات رأي

المثقف المنتمي ابن الفكرة.. يدفع دمه في مواجهة أعاديها ليعليها

كثيرا ما عارضت الفكرة السائدة بأن المثقف لا بدّ أن يكون ضد السلطة دائما. إذ كنت أعتقد أن المثقف هو إنسان صاحب فكرة/ مشروع يريد أن يراه حقيقة على الأرض. فهو مروج لفكرة وداعٍ لها، ومحرض ضد ما يعيق مشروعه أو يخالفه من أفكار أو سلطات سائدة. هو صاحب مشروع: معاد للسلطة حين يكون مشروعه مضطهَدا، مروج للسلطة السائدة حين يكون مشروعه مهيمنا. أما من كان ضد أي سلطة مهما كانت فهذا عنده شيء من النزق وتعجرف “المثقف”. ذاك الذي يحمل سيجارته وينفث من بين شفاه دخانها ليبدأ التشنيع على كل سلطة. لا يعجبه العجب، خلق لينتقد. لا يريد أن يكون جزءا من أي فعل حقيقي.

لكني لم أعر انتباها حينها للفرق بين التنظير والتطبيق، بين الفكرة والتنزيل. فحين يشتبك التنظير مع الواقع تبدأ التناقضات بالظهور، والثغرات بالتوسع، والعيوب بالتفشي. تتزاوج مثالية التنظير مع بشرية التطبيق، ويختلط حسن الفكرة مع فجاجة الشهوات الإنسانية. فأنقى فكرة حين تختلط مع السوء في نفوس حامليها ستتشوه. وأكمل نظرية حين يمتلك أصحابها السلطة ستؤثر في نفوسهم وتبدأ القوة ومكتسباتها بحرفهم عن الطريق. لا مناص من ذلك.

وإن كان المثقف صاحب مشروع، إلا أنه غير مطالب بأن يكون ورقة توت تواري عورات أي سلطة. حين يكون مشروعه هو المستضعَف قد أتفهم حماسه في الترويج له وتزيينه وتنزيهه وإقناع الناس به والحشد من حوله. فهو هو في مرحلة ما قبل التحقق، في مرحلة ما يزال المشروع متخيلا إلى حد ما، ولمّا يتنزل واقعا.
لكن حين يصبح المشروع واقعا، وتصبح أفكارك التي تؤمن بها هي السائدة والمهيمنة، يتحول دورك هنا من مجرد “مروج” إلى ناقد وطبيب.

هنا يظهر دور المثقف الحقيقي المنتمي لفكرته. فلو كنت مثقفا حقيقيا لن يقتصر دورك على الترويج و”الترقيع”. لا بدّ من ممارسة الفعل الناقد. لا بدّ من أن تكون مقياس انحراف الواقع عن النظرية.
فالمثقف الحقيقي هو الوفي للنظرية، لا لواقعها المسخ. وفيّ للفكرة بترويجه لها حال ضعفها مهما كلفه ذلك. أما حين تتمكن يعمل فيها نقدا ليحافظ على تطبيقٍ أقرب ما يكون للمتخيل ولما روج له، بذلك يظل وفيّا.
المثقف الوفي للفكرة هو الأقل تبريرا لأخطائها، والأكثر إبرازاً لمشاكلها. لا لهدمها، بل لتحسينها وإصلاحها وتطويرها. المثقف هو الذي يقول له الناس: “دعك من مثالياتك”. لكن بغير مثالياته ستنحرف أية فكرة لتتماهى مع الواقع و “متطلبات المرحلة”.

فكل فكرة جدلية، تتطور باشتباكها في الواقع وبمنظّرين يتأملون تبعات هذا الاشتباك. ولن تتطور بحفنة من المطبلاتية ولا المبررين. تتطور بنقّاد مخلصين أوفياء: امتلكوا فكرا ثوريا نقيا أدرك النظرية وانتمى لها، وعينا بصيرة يقظة تنبهت لأي انحراف، ولسانا حادا صريحا صدح بكل نقد. ليقوّم التطبيق البشري للنظرية، ويطور التنظير للفكرة.
بغير ذلك يكون مصير أي فكرة أن تسيح في الواقع، وتتماشى مع الأدوات إلى أن يمسي الواقع مسخا لا يشرف أصل الفكرة ولا ينفع البشر.

المثقف المنتمي، ابن الفكرة، هو المثقف الذي يدفع دمه في مواجهة أعاديها ليعليها، وفي مواجهة مناصريها ليحفظها من الانحراف ويقوّم اعوجاجها. بغير هذا المثقف لن تجد أي فكرة إلا الخسران ولو بلغت ما بلغ الليل والنهار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق