مقالات رأي

هذه امي يا سادة .. أمي وكفى !

ساري عرابي

في طفولتي، وقبل وفاة والدي بوقت وجيز، رأيت في منامي ثلاث رؤى متفرقات، في واحدة منهن رأيت أعظم ما يُرى، على هيئة يحتملها عقلي الطفولي، يحذرني من إغضاب والدتي.. لقد كانت تلك الرؤى الثلاث تتجلى صراعًا محتدمًا في حياتي، وتناقضات هائلة يمور بها صدري، وإذا بالعناية والغواية يحيطان بي، والعسر واليسر يتصارعان في طريقي، والكرب والفرج في صورة ضفيرة تسوّرني.. بيد أن الرؤية المتعلقة بوالدتي باتت لا تنفك عني، وكأنها روح أخرى تتلبسني هذه الأيام.
أبحث عن عزائي، في وجهها وكلماتها فحسب.. أجدها راضية، فأقول لعلي لم أسخطه.. أقول لا يضرني شيء صرعتني غوايته طالما أني لم أسخطه بسخطها.
أعيد التفتيش جيدًا في حسابي هذه الأيام، وأجد أن أحدًا، طالما أني البكر ووالدي متوفى وأنا في التاسعة.. أن أحدًا لم يكسر شوكة تمردي ونفوري وشرودي وأنفتي واستوحاشي، فهل وسمت هذه الصفات علاقتي بها!؟
كانت سعيدة بذهابي إلى المسجد، وإنفاق قروشي القليلة منذ العاشرة على الكتب الكبيرة، لكنها لم تردني في مظاهرة ولا مسيرة.. لما اعتقلت أول مرة من مظاهرة وأفرج عني لصغر سني بكفالة في اليوم نفسه.. لم تعنفني!
كانت تريدني من العشرة الأوائل في التوجيهي، فلما اعتقلت سنة التوجيهي، وانصبّ عليها الأقارب يتهمونها بسوء التربية وقذفي في أحضان حماس.. لم تعاتبني! تراسلنا أول أربعة شهور قبل أن يسمح لها بالزيارة، ثم ولا مرة قالت لي: حرمتني من الفرحة التي انتظرتها منذ نبوغك المبكر في المدرسة.
تأملت أن أنهي الجامعة سريعًا، فأنهيتها في أحد عشر عامًا، تأملت ألا أعتقل بعد زواجي، فاعتقلت أقسى اعتقالاتي وأصعبها بعد زواجي.. والعجيب أنها كلما رأت مني ضيقًا في ساعة عسر مستحكمة تقول لي: “منك يمّا أنا تعلمت الصبر، وطريقك اخترتها واصبر عليها”.. حتى صبرها تنسبه لي، وأظن هذه حجة لازمة لي، تبهتني بين يديه.. فأين صبري من صبرها وأين رضاي من رضاها! بل إنني وأنا أئن تحت وطأة المحن المتواترة أسأل مستغربًا: من أين لها كل هذا الرضا!
قد علمت أنها مصطفاة، وأن تحذيري من إغضابها، يفوق كونها والدتي!
لم تعنفني على طريق أرادت لي غيرها، بيد أنها امتلكت حدسًا عجيبًا، لاحقني في مغامراتي، واختياراتي، وحساباتي، أجدها قلقة من أمر أخفيته عنها، وإذا بدعائها وحده نجاني الله من تقدير خاطئ.. وكان لها حدس في بعض أصدقائي تلقيه عليّ مواربًا لأنه ليس من عادتها أن تجعلني في موقع التلميذ منها، وإذا بحدسها تسفر عنه الأيام حقيقة عارية.. فأقول يا لخيبتي مرتين.. باتت هذه الأيام تلقي علي حدسها مباشرًا صريحًا، فأقول في نفسي لم يعد في العمر والطاقة ما يحتمل مزيدًا من التجربة.
هذه أمي يا سادة.. أمي وكفى

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق