“أرض الينابيع” يغزوها العطش

وسط نبع العوجا نمشي ولا صوت إلا قعقعة الحجارة تحت أقدامنا، أما الماء الذي كان يتدفق هنا، فأصبح أثرا بعد عين، وما زال البحث عنه مستمرا.

نبع العوجا التاريخي، والذي قيل عنه “نهر العوجا” لشدة تدفق المياه فيه ولعرضه الذي يشابه النهر، كان يغذي منطقة العوجا ومناطق غرب أريحا باثنين مليون كوب من المياه، إلا أن اليوم أقرب تجمع بدوي من المكان لا يرى هذه المياه، ما يدفعه لنقل ما يروي عطشه من أماكن بعيدة.

نقترب أكثر، يزداد هدير مزعج يلوث هدوء المكان، ليشير إلى سارق نصب مضخات تشفط المياه من المكان وترسله عبر أنابيب ضخمة إلى المستوطنات، إذ ها هو الاحتلال يستأنف عمليات سرقة مياه الأغوار، بعد أن عزز ذلك بما فرضه من اتفاقيات، كاتفاقية أوسلو، والتي تضع كل الموارد المائية تحت يديه، وحرمت الفلسطينيين من استغلالها.

خلال 10 دقائق وصلنا من نبع العوجا إلى إحدى التجمعات البدوي القريبة، حيث يعيش أبو صدام طريفات وعائلته، معتمدين على شراء المياه يوميا من شركة “مكروت” الإسرائيلية، إذ يتراوح ثمن الخزان الواحد ونقله 100 شيقل/28 دولارا.

الاحتلال يسرق

أنابيب مياه ضخمة تمر بالقرب من التجمع البدوي وصولا إلى المستوطنات، كذلك أعمدة الكهرباء المقامة في المكان، فيما لا يتوفر في التجمع الماء والكهرباء، يعلق أبو صدام مستهزئا، “السلطة ليل نهار تعبأ الأكياس بالأموال وتبعثها لنا”.

التجمع البدوي الصامد بين أربعة مستوطنات في منطقة تصنيف (ج)، ممنوع من التوسع في المساحات الواسعة التي تحيطه، فهي ستكون امتدادا مستقبلي للمستوطنات التي تحيط المنطقة من كل الاتجاهات، يشير أبو صدام إلى بؤرة استيطانية لمستوطن واحد يدعى “أومر”، “مدوا له الكهرباء والماء ليزرع المنطقة، فيما نحن صامدون هنا منذ أكثر من 50  عاما، ولم يدعم صمودنا أحد”.

في ثلاثة أحواض مائية ضخمة منتشرة في حوض بردلة شمالا، حوض الفارعة في الوسط، وحوضا عوجا وفصايل جنوبا، تتوزع المياه التي سيطر عليها الاحتلال بالكامل ، المنسق الإعلامي في مركز معا التنموي حمزة زبيدات يبين أن الاحتلال يحول مياه الأحواض الثلاثة إلى32  مستوطنة وسبع بؤر استيطانية مقامة على أراضي الأغوار.

الاحتلال فرض سيطرة كاملة على المياه السطحية والجوفية في الأغوار، وعزز ذلك باتفاقية أوسلو التي نصت على وجود حصة للفلسطينيين في نهر الأردن، يعلق زبيدات، “لم نر كفلسطينيين كوب مياه واحد مما نصت عليه أوسلو، نحن نشاهد نهر الأردن مشاهدة فقط من المغطس كباقي السياح الذين يزوروا المكان”.

على الرغم أن نهر الأردن كان أهم مصدر للمزارعين في الأغوار، إذ كانوا يحولون المياه عبر المضخات الكبيرة إلى أراضيهم غربا، ليسقوا بها آلاف الدونمات، كما أقاموا الآبار الارتوازية القديمة في العشرينات والثلاثينات، إلا أن الاحتلال منع المزارعين استخدامها وفرض عليهم إغلاقها بعد عام 1976.

تصاريح مياه

يقول زبيدات إن الفلسطيني في الأغوار وبعد عام 1993، فرض عليه التقدم للحصول على تصريح مسبق من قبل لجنة المياه المشتركة – الفلسطينية الإسرائيلية – ليتمكن من القيام بأي نشاط مرتبط بالمياه أو ترميم أو تعميق آبار ارتوازية، “أكثر من 95% من هذه الطللبات تم رفضها، وأعطيت تصاريح قليلة للمناطق التي تصنف (أ)”.

ويشير زبيدات إلى أن البئر الارتوازي الذي حفر بالقرب من نبع العوجا ووضع عليه مضخات ضخمة عام 1985، فيما كان يضع الاحتلال قبل ذلك مضخات في مناطق مختلفة، “الاحتلال عمل على تعميق الآبار الارتوازية حتى وصلت إلى أكثر من  500 متر تحت الأرض بهدف الوصول إلى المياه الصالحة للزراعة”.

الأغوار التي كانت توصف أنها “سلة فلسطين الغذائية” ما عادت كذلك، أراضي جرداء تحيط نبع العوجا لا يوجد بها نبتة واحدة، كذلك آلاف الدونمات في الأغوار، بسبب إجراءات الاحتلال التي تمنع المزارعين من استغلال أراضيهم بعد أن حولت مجرى المياه إلى المستوطنات، “جفت أعداد كبيرة من الآبار الارتوازية، كما ارتفعت نسبة الملوحة في أعداد أخرى وخاصة التي تتركز في الجفتلك والعوجا وهي أكبر الأراضي الفلسطينية التي يستطيع المزارع استغلالها”.

المزروعات التي كانت تشتهر بها الٌأغوار باتت تنحصر بسبب قلة المياه، فيما بات المزارع يتوجه إلى زراعة النخيل الذي يحتاج للمياه المالحة، وهو ما يدفع السوق الفلسطيني لاستيراد خضاره وفواكه من السوق الإسرائيلي، فيما يُحرم من استيراد الكثير من الأنواع.

يقول زيبدات، “كل الآبار الارتوازية التي يستطيع الفلسطيني استغلالها هي للزراعة فقط، إلا أن الآبار أصبحت تخرج كميات عالية من الكبريت ما أدى لتدمير مساحات كبيرة من الأراضي التي بحاجة لمئة عام حتى نستطيع استصلاحها للزراعة”، مؤكدا على أن عددا كبيرا من الينابيع جفت بسبب الآبار التي حفرها الاحتلال، ففي منطقة فصايل حفر الاحتلال ثلاثة آبار حول أحد الينابيع ما أدى لانخفاض كمية المياه فيه، فيما جفت الينابيع بشكل شبه كامل في الأغوار الشمالية.

ففي عام 1970 استولى جيش الاحتلال على بئر المياه في منطقة بردلة، ومذ ذلك الحين يمنح الاحتلال أهالي المنطقة حصة واحدة من مياههم، إلا أنه قبل شهور عدة قام بتدمير شبكات المياه الخاصة بمزارعي المنطقة بادعاء أن المستوطنة القريبة لا يوجد فيها مياه كافية.

ظلم تاريخي

رئيس وحدة الدراسات في مركز معا جورج كرزم أوضح أن 70%  من الآبار الارتوازية  التي حفرها الاحتلال تتركز في منطقة الأغوار، لتخدم 11 ألف مستوطن يعيشون في الأغوار، مشيرا إلى أن المياه التي توفر للمستوطنين في الأغوار تتراوح بين 45-48 مليون متر مكعب، فيما يمنح الاحتلال ثلاثة مليون فلسطيني في الضفة المحتلة حصة لا تتجاوز ١٥٠ مليون متر مكعب، “هذا يخلص الظلم الاستعماري التاريخي الذي لا مثيل له في أي استعمار قديم أو حديث”.

ويبين كرزم أن الاتفاقيات الاستعمارية التي فرضت على الفلسطينيين ثبتت وعززت نهب الاحتلال لمصادر المياه، مشيرا إلى أن كميات المياه المتاحة قبل عام 1993 لمليوني فلسطيني ما زالت نفس الكميات المتاحة لليوم رغم ارتفاع عدد الفلسطينيين في الضفة المحتلة، “كمية تدفق المياه في الجزء الجنوبي لنهر الأردن لا تتجاوز اليوم 40-50 مليون متر مكعب، بعد أن كان يتجاوز المليار قبل استيلاء الاحتلال عليه”.

وأوضح أن الاحتلال بنى السدود الضخمة في جنوب بحيرة طبرية لحجب استمرار تدفق مياه نهر الأردن إلى بحر الميت، وقام ببناء قنوات نقل كبرى كالناقل القطري، والتي هدفها نقل المياه من الأغوار وحوض نهر الأردن إلى الأرض المحتلة عام 1948 والنقب بشكل خاص، وأجزاء إلى المستوطنات في الضفة المحتلة.

حجب التدفق الطبيعي لنهر الأردن، ونهب كميات كبيرة من مياه حوض الأردن تتراوح بين 600-650  مليون متر مكعب سنويا، إضافة للتدمير البيئي والتوازن المائي في البحر الميت نتيجة للصناعات الإسرائيلية ونهب المعادن وما يرافقه من نهب مائي من البحر الميت يتجاوز 350 مليون متر مكعب.

ويعلق كرزم، “كل هذه العمليات التخريبية والتدميرية التي يقوم بها الاحتلال هي سبب رئيس في تراجع منسوب البحر الميت إلى متر سنويا.. لماذا الطرف العربي يشارك في مشروع استعماري للتغطية على ما دمره الاحتلال وهو يشكل فضيحة بيئة كبرى له”، في إشارة إلى مشروع ما يسمى “بقناة البحرين” الذي رسمه الاحتلال قبل عام ١٩٤٨ ضمن مخططاته الاستراتيجية في فرض سيطرته على المنطقة والاستيلاء على مصادرها.

قدس الإخبارية

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى