مقالات رأي

يا قاضي القضاة ؟! رسالة علمية مفتوحة للدكتورمحمود الهباش .

امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي استنكارا واستغرابا لما قاله قاضي القضاة محمود الهباش ، هنا أحببت أن أوجه ردّا علميا ما استطعت لذلك سبيلا .
كنا دوما نحذر من التكفير والتخوين بين أبناء الوطن الواحد ، وكان الدافع الاساس لهذا التحذير هو لانه مقدمة لارتكاب جريمة القتل ، لان من يخوّن شخصا يخرجه من دائرة الانتماء لوطنه ويسقط عليه الانتماء لعدو وطنه وبالتالي يُجوّز قتله ، وكذلك من يكفر فإنه يُخرجه من دينه وبالتالي يعتبره مرتدا مباح الدم ، أما أن يأتي أحد ليدعو للقتل مباشرة لأنه قال : ارحل .. فهذه دعوة غير مسبوقة ، وأن تأتي من قاضي القضاة وليست من شاب تأخذه الحماسة وهوقليل العلم لم يتعلم بعد أصول دينه ولا أصول الانتماء لوطنه ولا لأصول السياسة التي تقتضي حسن التعامل مع المعارضة أو من في الحكم في عملية تداول السلطة والشراكة السياسية وفق ما تقتضيه ثقافة العصر .
• أبدأ بالاخيرة وهو المنطق السياسي المألوف عالميا إذ أن في كل بلد يمارس العملية الديمقراطية بشكل صحيح أو غير صحيح هناك من يمارس الحكم وهناك من هو في دور المعارضة ، بالتأكيد المعارضة تعمل بشكل واضح على نقد الحاكمين وتبيان فشلهم وتقصيرهم ، واذا اقتضى الامر تطالب باسقاطهم واجراء انتخابات مبكرة وقد يعبر عن ذلك جماهيريا بكلمة ” ارحل ” وهي كلمة انتشرت بعد ما سمي الربيع العربي ، كل حكومات العالم وفي أوج عطائها ونجاحها وليس فقط عند فشلها تجد من يعارض ومن يطالب بالرحيل ، فهل يكون الرد السياسي من طرف رسمي بالدعوة الى القتل ؟؟ ونتيجة لذلك نجد أن كثيرا من التشكيلات الحكومية تنهار ولا تكمل دورتها الانتخابية نتيجة فعل المعارضة ونشاطها ، وتقوم الانتخابات المبكرة بسلاسة قد تودي بمن كان حاكما ليتحول الى معارضا وبمن كان معارضا ليصبح حاكما ، لا أحد يقول ” اقتلوا من يقول ارحل ” .. ماذا لو رد الطرف الذي طالبت بقتله بنفس طريقتك كردة فعل على كلمتك ؟؟ أين أنت سيادة قاضي القضاة من الثقافة السياسية المعاصرة ؟

• أما دينيا كونك تعتلي منبرا دينيا وتتحدث باسم الدين ، على ماذا اعتمدت بطلبك للجمهور المستمع لك بالقتل ؟ من يحق له ان يقوم بالقتل لو كان ادعؤك صحيحا ؟ هل هو جمهور الناس ؟ كل بامكانه أن يطبق هذا بيده ؟ أين القضاء ودوره يا قاضي القضاة ؟ لو أن أحدا أطاعك وقرأ على صفحة فيس بوك لشخص يقول ارحل ، فذهب فقتله لانه سمع من قاضي القضاة على منبر رسول الله يقول بشكل صريح : اقتلوه . فهل أنت مستعد للدفاع عنه واخراجه من السجن ودفع دية المقتول عشائريا وتحمل تبعات هذا القتل أمام أهله وعشيرته ؟ أين تذهب من قوله تعالى : ” ومن قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا ” ، أذكر شخصا قد مر علينا في السجون قصته أنه كان قد سمع أحدا يجيز قتل الذي بدل دينه وقال أن الشيوعي انسان بدل دينه ، فذهب هذا فقتل شيوعيا فسجن وحكم بالمؤبد فلم يجد الشيخ صاحب هذه الفتوى الجاهلة ، تبرأ منه وتبرأت البلد كلها منه . من يا قاضي القضاة يقوم بتنفيذ الحكم ؟؟ هل هم الجمهور الذين تخاطبهم ، هي دعوة اذا للانفلات والغاء القضاء وتحويل الجمهور المستمع اليك الى أن يكون كل منهم محكمة متكاملة النصاب : قاضي ونائب عام ومحامي ومنفذ للحكم كلها تجتمع في واحد ؟؟
• هذا ان كانت فتواك بالقتل صحيحة ماذا لو كانت غير صحيحة ؟ إذ من الثوابت في الدين أنه : لا تجوز اباحة دم انسان الا بحالات معروفة دينيا بكل دقة ووضوح ، أختصر وأذهب الى القتل على خلفية الخلاف السياسي فالموقف الذي علم الامة من بعده هو موقف الامام علي عندما سئل عن الخوارج فقال : أن لا نمنعهم مساجد الله ولهم من الفيء ما لنا وأن لا نرفع عليهم سيوفنا الا اذا رفعوا سيوفهم ، وهذا واضح انه لا يجوز القتل الا من ذهب الى المعارضة المسلحة ورفع السيف في وجه الحاكم الشرعي . أما أن تكون المعارضة بالرأي والكلمة ثم ندعو لقتله ؟؟ على أي دليل ديني اعتمدت ؟ هل كما قلت شق عصا الطاعة وتفريق صف الامة ، ما هو مفهوم الامة في الاسلام ؟ من هي الامة هذه الايام وهل كل معارض ممكن أن نوجه له هذا الاتهام : تفريق الامة ؟ أين حدود المعارضة التي تصل الى القتل ، لو أن ابنك اجتهد سياسيا ووصل الى المطالبة بتغيير الحاكم وقال كلمة ارحل فهل تفتي بقتله سيادة قاضي القضاة ؟ وهل تبيح لاي كان من الجماهير التي تخطب فيها وتطلب منها القتل أن يقوم بتنفيذ هذا الحكم ؟

• أما عن أصول الانتماء للوطن وهو من المعروف ان تشكيلته متعددة من اقصى اليمين الى أقصى اليسار وأنه يشكل كما قالوا لوحة فسيفساء من كثرة تعدد الاراء والاجتهادات والافكار المتباينة ، فهل ندعو ونعمل على صياغة علاقة تقوم على قبول الاخر واحترام التعدد ، أم أن ندعو للنبذ القتل والاقصاء ، هل نرسي قواعد الحوار وتقبل الاخر على ما عليه واتقان مهارة تداول السلطة واسقاط الحكومات بالطرق السلمية التي وصلت اليها الحضارة الانسانية المعاصرة ..

هذا أملنا من الكل الوطني سلطة ومعارضة ، أملنا بكل محبة واحترام بكل من له انتماء وطني او ديني ، من الكل الفصائلي وغير الفصائلي ، وهذا ما نطالب به وعلى الاقل ممن هم في سلك القضاء والمسئولية الوطنية .. أما أن تصل الى هذه الدرجة فهذا غير مقبول وعلى كل من يريدون لهذا الشعب خيرا وتطورا للعمل السياسي أن يضعوا حدا لهذه المهزلة وهذا الاستخفاف بعقول ودماء الناس ..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق