مقالات رأي

المقلوبة المقدسية … مقاومة شعبية نسائية !

د. أسامة الأشقر

دخلت المقلوبة في قاموس المقاومة الشعبية في القدس وأصبح لها شعبية خاصة لدى المرابطين في هذا المسجد المبارك.

هذا الطبق الشاميّ الشهير المصنوع من الأرز الأبيض ذي الحبة القصيرة البضّة المنفوخة، أو الأرز البسمتيّ الممشوق الفارع الطول، ثم يُفْرَش تحته في الحلة أو القدر بالبطاطس والبانجان الأسود أو الزهرة “القرنبيط” فوقها لحم الضأن المُشيّط الرجراج أو الدجاج المُسَغْسَغ المُروَّل، وربما جعلوها بالسمك المُضَهَّب ولاسيما أهل الساحل.

وللناس في تجهيزها وطبخها طرائق قِدَداً، يعرف أسرارها سيدات البيوت الكريمة.

وإنما سميت مقلوبة لأن الناس تقلبها من القِدْر إلى السِّدْر فتجعل أعلاها أسفلها، وقواعدها قمّتها، وقيعانها رؤوسها.

والمقلوبة لدى أهل فلسطين تراث وطني ينقلونه للأجيال بوصفها أكلة شعبية، ويعتقدون أن الحفاظ على حضورها في الموائد العامرة صورة من الوفاء للوطن المسلوب المحتل؛ ويعتقدون أنها كلما كانت على طريقة الجدات فهي أطيب وأبقَى؛ ويزعم المقدسيون أنهم تعلموا أصولها من زمان الفتح الأيوبي الصلاحيّ للقدس، فهي بذلك أكبر من عمر الاحتلال بقرون متطاولة.

وهي من شدة اشتهاء الناس لها يجعلون لها ميعاداً لدعوة الأحباب، وإقامة الولائم الباذخة. وكثيراً ما تجد الأمهات يعلمن أولادهن في المغتربات ولاسيما من الشباب أصول هذه الأكلة، وهناك يتفاخرون فيها بين أقرانهم في السكن الجامعي والرحلات الطلابية.

وأما حضورها في المسجد الأقصى فهي إضافة إلى عمق حضورها الشعبي مصدر بهجة المجتمِعين الجائعين الذين أرهقهم طول الرباط وأنهكهم السهر، فتطوف عليهم قدورها وهي تعبق برائحتها النفّاذة التي تشدهم بألسنتها الشفافة، فيغرون منهم ويلتهمون في ضحك وبهجة وسرور؛ والعجيب فيها أنها تكفي العشرات من المتحلقين حولها ولا تكاد تفنى لشدة بركتها في هذا الموضع؛ وقد شاع استخدامها هناك لأن ما تبقى منها من حبّات ساقطات تلتقطه الطيور الحوّامة، فيما تنتشل القططُ الطوّافةُ مُشَرْشَرات اللحم والعظم الباقية، فيتنظّف الموضع بلا كلفة غالباً.

وقد جرى العُرف في القدس أن في إعدادها وإطعامها للمصلين والعاكفين والمرابطين في ساحات المسجد الأقصى وأسوارها بركةً ناميةً وخيراً مستقراً لابد أن ينالك منه مَسٌّ طيبٌ.

وهذه السنّة المقدسية نسوية الأصل فيما يظهر جرى فيها تداعي النساء المرابطات إلى تحدي شرطة الاحتلال، ودعوة المصلين والمرابطين لأكل شهي الطعام في محلات رباطهم خلافاً للمألوف، حتى سمّاها الناس “مقلوبة الجَكَر” إمعاناً في تحدي المحتل؛ وقد زعم لي بعضهم أن سلطات الاحتلال منعت المرابطتين المقدسيتين خديجة خويض وهنادي الحلواني من دخول المسجد الأقصى ستة أشهر عقوبة لهما على دعوة المقدسيات لتحضير المقلوبة وإمداد المصلين بها عام 2017 حيث أصبحت المقلوبة محل تحقيق ودخلت قاموس الممنوعات السياسية لاسيما أنها اقترنت بمعاني النصر الشعبي على الجيش المدجج بآلة القتل .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق