مقالات رأي

المرسيدس الزرقاء: نار في وجه جفعاتي

الكاتب زياد ابحيص

تسعٌ من السنوات لم أكن قد أكملتها حين غادر دنيانا. في ذهني البسيط كانت المرسيدس علامة حضوره، منذ غادرنا قبل عامين من استشهاده وأنا أترقب المرسيدس الزرقاء لعلها تطل على باب المنزل كلما ابتعدتُ عنه إلى مدرستي أو إلى أي مكانٍ آخر. مذ أدرك وعيي الدنيا كانت المرسيدس الزرقاء هي المكان الذي عشنا فيه كعائلة، ففي المنزل حضوره كان نادراً، لكنه إذا ما سمح له وقته وقرر أن نخرج معاً في نزهةٍ أو زيارة، فالمرسيدس هي المكان المضمون اجتماعنا فيه، هو وأمي وأنا وشقيقي الأكبر عمر، لينضم إلينا حسن لاحقاً.

لهذه المرسيدس في ذاكرتي قصة طريفة، فهي كانت مزودة بجهاز إنذارٍ وتحكّمٍ عن بعد يسمح بإغلاقها وفتحها، وكان جهاز الإنذار ينطلق صارخاً كلما لمسها أحد. في تلك الأيام كان هذا آخر ما توصلت له التكنولوجيا، فأصبح “استفزاز” سيارتنا حتى تطلق جهاز الإنذار اللعبة المفضلة لأولاد ذلك الحي من أحياء عمان. ولما كان والدي قد جهزها به لأغراضٍ أمنية –وهو ما لم أكن أدركه حينها- طارت بذلك كل الاعتبارات الأمنية وبات إسكات صوتها عبئاً دائماً، حتى جاء يوم وكمَنَ لأولاد الحي خلف شجرة الياسمين التي كانت تغطي سور بيتنا، ورافقناه في ذلك الكمين عمر وأنا، وكان يخرج لهم من خلفها كلما اقتربوا مهدداً بالعصا. أتت العصا بنتيجة.

أذكر أن المرسيدس تسببت لي بكلمة تقع في أعلى سلم الشتائم الخاصة بوالدي. كان أبي إذا ما احتقر فعل شخصٍ وأراد أن يهينه قال له: يا دابّة، وكان لتلك الإهانة وقعها إذا ما قيلت وأذكر أني تلقيتها على الملأ مرةً واحدة… ولتلك الإهانة قصة:

كان ذلك في صيف عام 1984، وكان متكرراً أن يستوقفني أحد في الشارع ويسألني ابن من أنا، ومن باب الاحتياط كان أبي قد حفّظني أن اسمه قاسم –وهو اسمه الحركي- وبقيت أجهل اسمه الحقيقي “محمد” حتى نهاية السنة السادسة من عمري، أي بعد سنة كاملة من تلك الحادثة، حينها كانت ابنة عمي تناديه “عمو محمد” وكنت أنا أعرف أن اسمه قاسم…

– اسمه قاسم، ليش بتناديه عمو محمد؟

– لأ اسمه محمد، بتعرفش اسم أبوك؟

– يلا نروح نسأله.

ويا ليتني لم أسأل. اتضح أنها على صواب تلك اللئيمة!

المهم، كان كل من يستوقفني في الشارع ليسألني أقول له أنني ابن قاسم وانتهى ولا اسم عائلة ولا ما يحزنون، ثم تخابث أحد هؤلاء وسألني عن المرسيدس الزرقاء إن كانت سيارتنا، فقلت له نعم، فسألني أين نسكن فأشرت إلى الطابق الأول حيث كنا حينها، وقد لحق شقيقي الأكبر عمر بهذا المشهد حين أشرت للبيت. في اليوم التالي يخرج أبي صباحاً ومعه أمي وشقيقي حسن ليأخذاه لعيادة الطبيب وأنا وشقيقي عمر نلعب، عمر: “زياد دلْ رجال غريب على بيتنا”. نظر أبي إلي من رأسي إلى قدميّ وقال لي: “يا دابة”، ثم مضى. لم أفهم حينها ما الخطأ الذي اقترفتُه، لكن عمر كان يدرك ما لم أدرك، اضطر أبي بعدها إلى استعارة سيارة فولزفاغن بيضاء من أصدقائه مكان المرسيدس، وبات يدخل البيت بالحطة والعقال والعباءة، مرّت سنين كثيرة قبل أن أدرك أنه ليس من الطبيعي أن يستوقفك كل يومين رجل غريب ويسألك عن اسمك ومنزلك، وقبل أن أفهم من الذين كانوا يسألون وما غرضهم.

بعد أن استشهد أبي في 14-2-1988 أدركتُ كثيراً مما كان غائباً عني، وسألت أمي عن مصير السيارة المرسيدس، فقالت لي إن باعها قبل عامين من استشهاده، سنواتٌ طويلة كان لا بدّ أن تمرّ قبل أن أعرف بقية القصة، وأين انتهى مصيرها…

نارٌ في وجه جفعاتي:

كان التيار الذي يقوده أبو حسن قاسم داخل فتح، والذي ضم مجموعة من الشهداء القدوات أمثال حمدي التميمي وعلي أبو طوق وسعد جرادات وأبو خالد جورج، والمجاهدين الذين لحقوا بهم من بعدهم أمثال مروان زلوم وجهاد العمارين وميسرة أبو حمدية، والمجاهدين الذين خاضوا طريق الموت وكتبت لهم الحياة أمثال تيسير أبو اسنينة ومعين الطاهر ومحمد الشوبكي وشفيق الغبرا وياسر زيادات ومعهم إخوة لهم من فلسطين ولبنان وعدد من الدول العربية، كان ذلك التيار قد أنجز تحولاً فكرياً قام على نقد المقولات اليسارية والممارسة الثورية التي تحرص على توجيه البندقية صوب العدو الصهيوني وحده، فانتقلوا من كونهم كتلةً ناقدة تُحسب على يسار فتح تارةً وعلى القيادة تارةً أخرى، إلى أن يتبنوا الممارسة الثورية المنطلقة من الأرضية الإسلامية.

في الوقت عينه، كان خروج مصر من صف المواجهة ضد الكيان الصهيوني باتفاقية كامب ديفيد مؤشراً واضحاً على صعوبة بقاء المقاومة الفلسطينية في الخارج، وأن استمرارية الثورة تقضي نقلها إلى الداخل المحتل من خلال خلايا مقاتلة مقيمة، وفي سبيل ذلك كرس الشهيدان أبو حسن وحمدي جزءاً مهماً من الوقت والاهتمام لإطلاق عمل مقاومٍ في الأراضي المحتلة، وبات هذا همهما الأساسي ما بعد الاجتياح الإسرئيلي للبنان 1982.

في تلك السنوات تأزمت علاقة هذا التيار بقيادة فتح لاعتباراتٍ عدة، واستخدمت القيادة ضدهم التضييق في الموازنات بينما هم كانوا يعملون على إطلاق جبهة واسعة باسم “سرايا الجهاد الإسلامي” لتنفذ كل القوى الإسلامية عملياتها الجهادية تحت اسمها. في عام 1986، وخلال الإعداد لعملية باب المغاربة في القدس لم يتوفر المال الكافي لتمويل العملية والسلاح المستخدم فيها، فعرض والدي المرسيدس الزرقاء للبيع ليمول العملية من ثمنها، واشتراها منه في ذلك الوقت الدكتور أحمد نوفل وكان حينها أستاذاً للتفسير في الجامعة الأردنية وله برنامج على التلفزيون الأردني.

خلال اللقاء الأول في عمان مع مجاهدي الخلية التي كانت ستتولى التنفيذ جرى الاتفاق على الهدف، وكان انتقاؤه بقصد إلحاق أذى معنوي حقيقي بأحد عناوين غطرسة الجيش الصهيوني، وكانت العادة في لواء جفعاتي –لواء القوات الخاصة المكلف بجبهة جنوب فلسطين- أن يقسم ضباطه الجدد اليمين عند حائط البراق في حفلٍ يُعلن تاريخه للضباط الجدد قبل ثلاثة أيامٍ فقط، ويسمح لكل منهم دعوة ثلاثةٍ من أقربائه إلى الحفل. في كتابه الذي يروي فيه شهادته على تلك المرحلة يقول معين الطاهر إن أسلوب التنفيذ الأنسب الذي اتفق عليه هو إلقاء قنابل يدوية تجاه المحتفلين من فوق أحد أسوار القدس. ولما كان الحفل يجري في العادة يوم أحد، فقد اتفق على أن يجري اتصالٌ هاتفي في وقتٍ سابق له للإبلاغ عن وجود مظاهر استعداد للاحتفال، وبالتالي موعد تنفيذ العملية.

كان الاتصال يفترض أن يجري من القدس إلى رقم كابينة عامة في لندن في وقت محدد من الأسبوع، وكان الدكتور رمضان عبد الله شلح –منّ الله عليه بالشفاء- يدرس حينها الدكتوراه في الاقتصاد في جامعة دورهام شمال إنجلترا، وكان يسافر في كل أسبوع مدة خمس ساعاتٍ لكي يصل إلى الكابينة العمومية وينتظر المكالمة الموعودة إلى أن جاءت في 15-10-1986، “عرس شقيقتك سيكون الليلة” قال له المتصل.

في الساعة الثامنة والنصف من مساء اليوم ذاته استقل طارق وعبد الناصر الحليسي وإبراهيم عليان سيارتهم إلى مكان قريب وألقوا قنابلهم من حقيبة جيتارٍ كانوا يحملونها فيها، ثم انسحبوا من المكان وسط ارتباك قوات الاحتلال. رواية الاحتلال قالت إن القنابل رُميت على الحشد بعد الحفل مباشرة وخلال استعدادهم لركوب الحافلات في الموقف المقابل لأسوار البلدة القديمة من الخارج، واعترفت بقتيلٍ واحد وخمسة وستين جريحاً، لكن شهود عيان مقدسيين أكدوا أن القتلى فاقوا العشرة، وهو ما يقتضيه منطق الأمور. “كارثةٌ كبرى”، هذا ما علق به رئيس بلدية الاحتلال في القدس في حينه تيدي كوليك بعد وصوله إلى موقع العملية.

بهذه العملية أعلنت قنابل الأبطال الثلاثة عودة العمل الجهادي الإسلامي على أرض فلسطين بعد أن حمَلَته أكتاف القوى القومية واليسارية والوطنية وحدها لعقودٍ من الزمن، كانت هذه القنابل الثلاث فاتحة عهدٍ جديد عادت فيه القوى الإسلامية إلى دورها إلى جانب فصائل المقاومة التي سبقتها، وتطورت لتصبح هي اليوم قلعة المقاومة الأمينة عليها حين تخلى أو تراجع كثير من السابقين.

استدلت سلطات الاحتلال خلال تحقيقاتها المكثفة إلى هوية المنفذين الثلاثة، وكانت السيارة مفتاحاً أساسياً في تتبعهم والتعرف إليهم، وحُكم الأبطال الثلاثة بالمؤبد عام 1987، قضوا منها 25 عاماً حتى خرجوا في صفقة وفاء الأحرار عام 2011 ضمن مَن اشترط الاحتلال إبعادهم إلى غزة.

موقف جفعاتي: المهمة لم تنتهِ:

أعلنت بلدية الاحتلال في الأيام التالية مصادرة الأرض التي كانت تقف عليها تلك الحافلات ومساحتها 6 دونمات وسمّتها “موقف جفعاتي”، في محاولة للاقتصاص من القدس التي مرّغت أنف عسكريتهم في التراب في وقت كانت فيه أسطورة “الجيش الذي لا يقهر” تتربع في سماء المنطقة. في العام ذاته -1986- أسس مجموعةٌ من متطرفي اليمين الصهيوني جمعية إلعاد بهدف تهويد سلوان وإحلال “مدينة داوود” التوراتية الموهومة في مكانها، وأخذت تصعد في القوة والنفوذ بصعود اليمين المتتالي في عموم الكيان.

في عام 2003 أحالت البلدية صلاحية التصرف بموقف جفعاتي إلى جمعية إلعاد التي أزالت سطحه الإسفلتي والترابي وحولته بدءاً من 2007 إلى أحد أكبر مواقع الحفريات في القدس، حيث عثر فيه على آثار مملوكية وعباسية، وتحتها مبنىً من طابقين يعود إلى العصر الهلنستي، وعملات معدنية مصكوكة بتاريخ 72 للميلاد. انطلاقاً من عام 2010 بدأت أعمال لوصل هذه الحفريات بشبكة أنفاق جنوب الأقصى، وفي 2017 حصلت على موافقة نهائية لبناء مركز “كيدم” ليكون المنشأة التهويدية الأبرز في سلوان، والمدخل الأساس لشبكة الأنفاق، وهو اليوم في طريقه للبناء.

أهانت عملية باب المغاربة 1986 كبرياء الاحتلال، فردّ بتحويل الأرض التي جرت عليها إلى عنوانٍ لسيادته وسيطرته في القدس، وعنوان لتنغيص حياة أهالي سلوان والقدس عموماً، وما دامت الحفريات تجري وما دام مشروع بناء مركز كيدم جارياً فالحساب لم يغلق، لقد فتح ذلك الجيل المعركة مستعيناً بثمن المرسيدس الزرقاء، والتحدي أمامنا اليوم ينتظر من يكمل ذلك الطريق.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق