مقالات رأي

الرواتب.. بين العاجز والقاطع !

الكاتب | أسامة الأشقر

هناك فرق كبير بين أن تعجز عن دفع الرواتب وأن تقطعها، وإن كان المشهد الختامي واحدا، والغضب واحدا، والمأساة واحدة، والإدانة شاملة.

ما يخفف عن العاجزين أنهم يفعلون ذلك رغما عنهم لقسوة الظروف من حولهم وشدة الضغط عليهم، ويتوجعون لما أصابهم، وربما أن ما كان ينقصهم هو الشجاعة في مواجهة المتضررين ذوي الحاجات مرات ومرات، ومحاورتهم الدائمة، وفتح الأبواب لهم، والصبر عليهم، وتقبّل أذاهم، ومراعاة مشاعرهم الهائجة، ومصارحتهم بعموم الأذى وأنها أدركت الجميع بنسب مختلفة، والأهم من ذلك إعدادهم لتقبّل المصيبة قبل إيقاعها عليهم، وإنذارهم قبل زمان كاف يسعون فيه في بدائل، ومواصلة إغاثة الموظفين بما تيسر ولو كان قليلا على سبيل المساعدة، ولكن دون انقطاع يؤذيهم.

قولوا للناس بلغة حاسمة: ابحثوا عن عمل فقد ضاقت واستحكمت حلقاتها ونحن مضطرون للتجميد حتى إشعار آخر، وأعينونا على عجزنا بفتح خيارات أخرى لأنفسكم ولنا حتى لا تنقطع خيوط الود القديمة ومنازل العشرة الجميلة، ويستمر الحلم المشترك الذي التقينا على فكرته الأولى، واسمحوا لنا أن نحفظ البذور وبعض الجذور والجذوع القوية لنضعها في أقرب بيئة صالحة للإنبات من جديد.

ثم أظهِروا لهم اهتمامكم بفتح مسارات أخرى لهم من خلال شبكة علاقاتكم، وعلموهم أين يجدون أبواب الرزق المتاحة، وكيف يطرقون الباب، وكيف يدخلون على من فيها، وتوسطوا لهم واشفعوا فيهم فرادى وجماعات مهما قيل فيكم، وأشعِروا الناس بشدة اهتمامكم، وأين نجحتم وأين أخفقتم حتى تتجاوزوا الأزمة.

أما من يقطع الرواتب في هذه الظروف لأسباب سياسية فهم عصابة جفاة غلاظ ظلمة معتدون على معايش الناس، ومجرمون بحق الإنسانية، إنهم يذبحون الأحياء، ويذلونهم ويكسرونهم عن قصد وعناد، ويقهرونهم عن بينة، ويجلدون ظهورهم المكشوفة، وهم يعلمون أن من بينهم الأسير والشهيد والجريح والمريض والمحتاج والمعيل، ليجنوا من وراء ذلك سيطرة موهومة على مجتمع مخنوق محاصر، وحق هؤلاء المجرمين الطرد والإبعاد وحرمانهم من مقصد السيادة والتمكين الذي فعلوا من أجله كل ما فعلوا بخبث وبرود، والتوجه نحو قيادة جماعية تدير حياتهم في جغرافية الحصار.

ربما لا تجدي هذه الكلمات كثيرا الآن، لكن المجتمع القوي قادر على تجميع قدراته وإعادة تشكيل نفسه ليكون قوة منتجة مستقلة، وهذا يأخذ زمنا يحتاج فيه الإنسان الصابر المنكوب إلى الإسناد الذي يجعله قادرا على الوقوف والحركة حتى يتجاوز عجزه وحبوه وينتصب على قدميه، ويتعلم كيف يأكل وحده وينتج قيادته الجديدة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق