مقالات رأي

لماذا كل هذا التركيز على موضوع التطبيع؟

من يتابع الشأن الصهيوني بعمق يدرك أن مسار التطبيع أساسي في المرحلة الحالية بالنسبة للكيان الصهيوني. اليوم، لا يسعى الكيان إلى التمدد ولا احتلال أراض عربية إضافية ولا تأسيس دولة من النيل للفرات، بل يسعى لأن يتحول إلى دولة “طبيعية” في المنطقة تعامل كـ”جار” وليس كـ”عدو” وأن يكون بينها وبين دول المنطقة علاقات “طبيعية” وتعاون ..الخ. لدرجة ان بعض التقييمات الرصينة رجحت أن يكون حرص الاحتلال على عدم التشويش على هذا المسار من ضمن أسباب عدم توجيهه ضربة عسكرية قوية للمقاومة في غزة.

مسار التطبيع هذا يشمل دولاً عربية رئيسة، ويشمل دولاً إسلامية مهمة، ويشمل مؤسسات ومراكز بحث ووسائل إعلام وشخصيات وأفراد.

هؤلاء ليسوا هم التيار الغالب في العالم العربي والإسلامي بالتأكيد، لكن هناك جهد إعلامي يبالغ في الظاهرة ليوهم الناس أنها التيار الرئيس وبالتالي لا طائل من محاولة تجريمها أو مقاومتها، وهناك جهد آخر موازٍ يقلل من خطورتها وبالتالي يدعو لعدم الاكتراث بها، ويجتمع الجهدان – دون تنسيق أو تواصل أو قصد – على هدف واحد: دعونا نترك من يطبع يطبع … وهنا مكمن الخطورة.!

وقعت مصر اتفاق كامب ديفيد في 1979 ووقعت الاردن وادي عربة في 1994، ولكن ما زال التطبيع التجاري والثقافي والشعبي مجرّماً وموصوماً بالخيانة في البلدين. وبينهما كان اتفاق أوسلو وما رافقها لكن بقي التطبيع مع العدو خيانة خارجة عن إجماع الشعب الفلسطيني. بينما بتنا نسمع مؤخراً أصواتاً مختلفة، ولكن هذه المرة ليس من انصار الأنظمة ولكن من الطرف الآخر الذي يعرف نفسه كثورة أو معارضة …الخ، وهذه معضلة أكبر.!!

ليست المشكلة في شخص تافه يدعي البحث في الشأن الصهيوني وهو لا يعرف من هو الدكتور عبدالوهاب المسيري )يسميه “الشيخ” عبد الله المسيري(، ولا المشكلة في “باحث” تافه يشارك في قناة تلفزيونية صهيونية، او ناشط تافه يغازل الصهاينة على وسائل التواصل الاجتماعي بحثاً عن شهرة ما من باب “خالف تعرف”.

المشكلة الحقيقية في التيار المناصر حقاً وحقيقة للقضية الفلسطينية، لكنه بات لا يرى مسوغاً لما يعتبره “هجوماً” على المطبعين والمروجين للتطبيع، بل بات بعضهم ينادي بنقاش هادئ حول مصطلح التطبيع ومدى مواءمته لعصرنا وأوضاعنا ويدعو للاستماع لوجهة نظر المطبع، ويدعو للابتعاد قدر الإمكان عن وصم المطبع بذلك فضلاً عن تجريمه و”تخوينه”.

في أحد المنابر التي يجتمع فيها الكثير من الفضلاء والعقلاء وفي نقاش حول التطبيع الإعلامي من قبل بعض الأشخاص والمؤسسات “الصديقة” طلب البعض عدم وصف المطبعين بـ”الخيانة”، ثم طلب آخرون عدم وصمهم بالتطبيع “لأن التطبيع فعلاً خيانة” وبالتالي فهو تخوين بشكل غير مباشر. فوصلنا – من حيث لا ندري ولا نريد – إلى مقاربة تقول: لا تنتقدوا التطبيع لأن ذلك سيعني أنكم تخونون الناس. أي أننا وصلنا على غير رغبة أو قصد إلى نتيجة تقول: ليست المشكلة في المطبّع، المشكلة في من ينتقد تطبيعه، وعليه فهو الذي يستحق اللوم.!!!!!

يحصل ذلك في العالم العربي والإسلامي وبين أوساط الإسلاميين ومناصري القضية الفلسطينية، في نفس الوقت الذي تتقدم فيه حركة المقاطعةBDS في الغرب والعالم وتنتشر سياسات المقاطعة الأكاديمية والاقتصادية للكيان الصهيوني هناك.

إذن، فالمشكلة اليوم لم تعد نفس مشكلة التطبيع التي كانت قبل عشرات السنين. نحن اليوم أمام معضلة جديدة مختلفة تضرب الأسس التي قامت عليها حركة مناهضة التطبيع بين أظهرنا. بات مقبولاً اليوم بالنسبة للبعض أن يدعي أحدهم أن سفره لتل أبيب ومشاركته في مؤتمر للأمن القومي “الإسرائيلي” لم يكن تطبيعاً وإنما من باب البحث العلمي، وكأنه يطرق باباً لم يطرقه غيره قبله، وكأننا لا نملك فعلاً عشرات بل مئات الباحثين الفلسطينيين والعرب والمسلمين الذين درسوا الكيان الصيوني بعمق ودقة دون أن يلوثوا أنفسهم بالتطبيع وزيارة الاحتلال وإقامة علاقات معه والاستمتاع بالطعام والنزهة مع باحثيه وإعلامييه وسياسييه وأمنيّيه. فنحن لسنا بحاجة باحثين في الشأن الصهيوني يقاربونه كما يقاربون الشان الهندي أو الألماني أو الجنوب أفريقي، بل من يقاربونه كعدو يدرسونه من أجل مواجهته.

التركيز على التطبيع ونقده وكشفه ليس بحثاً عن الشهرة ولا عن الضجة ووجع الرأس، بل لخطورة الأمر، لأن السكوت عنه سيحوله ولا شك إلى حالة طبيعية وسيساهم في تجذره وانتشاره وتعمقه. إن حصول أي شي ء أو كثرته أو طول أمده لا يجعل منه شيئاً طبيعياً ما دام في أصله مستهجناً ومرفوضاً وخطيراً، وهكذا التطبيع. إن من الخطورة بمكان أن تخبو شيئاً فشيئاً موجات الرفض للتطبيع وكشفه ومهاجمته، بل ويحل محلها العتاب لمن يعيب على المطبعين ويواجههم، فذلك مما سيساهم ولا شك – وإن بدون قصد – في تحول التطبيع لحالة طبيعية، وهي كما أشرنا سابقاً مصلحة صهيونية بل هي مطلب وسعي صهيوني حثيث في هذه المرحلة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق