منوعات

مخلفات تحلية مياه البحر.. خطر حقيقي أم مجرد تهويل؟

في ظل شح الموارد المائية وتزايد الطلب على الماء، لجأت العديد من دول العالم في السنوات العشر الأخيرة إلى طريقة تحلية مياه البحر من خلال إنشاء محطات على سواحلها تشتغل أغلبها بالنفط الأحفوري وقليلها بالطاقة الشمسية.

ومع ارتفاع وتيرة الاعتماد على هذه الطريقة، زادت مخاوف وتحذيرات الخبراء من الإفراط في استعمالها، وذلك بسبب ما تخلفه من أضرار بيئية بفعل ما ترميه في البحر من مياه شديدة الملوحة ومعادن مختلفة، وهو ما أكدته العديد من الدراسات العربية والدولية التي حذرت من ذلك، آخرها تلك التي أنجزها معهد المياه والبيئة والصحة في كندا التابع للأمم المتحدة، والتي نشرت في دورية علوم البيئة الكلية.

بيد أن هناك الكثير من الباحثين يرون أن هذه التحذيرات مبالغ فيها، وأن كل الدراسات التي يتم الحديث عنها دوليا ومحليا بحاجة إلى دراسات وتحقيقات ميدانية.

العرب ينتجون نصف المياه المحلاة عالميا

تؤكد هذه الدراسة الأممية أن هناك نموا في عدد محطات تحلية مياه البحر حيث يوجد اليوم نحو 16 ألف محطة في 177 دولة، نصفها تقريبا يقع في المنطقة العربية بنسبة 48%، وهي تنتج يوميا نحو 95 مليون متر مكعب من الماء، لكن كل لتر واحد من الماء العذب يقابله 1.54 لتر من الماء شديد الملوحة، أي ما يعادل 142 لترا مكعبا من المياه المالحة تُصبّ في البحر.

ووجدت الدراسة أن حوالي 55% من المياه شديدة الملوحة تفرزها المحطات العربية في الخليج بشكل خاص، حيث تفرز السعودية نسبة 22% والإمارات 20.2% والكويت 6.6% وقطر 5.8%.

وقال مدير الدراسة إدوارد جونس في تصريحات لموقع معهد المياه والصحة والبيئة التابع للأمم المتحدة، إن المياه شديدة الملوحة التي تفرزها تلك المحطات تتسبب في القضاء على الحياة البحرية في السواحل التي تشكل المورد الأساسي للكثير من العوائل التي تعتمد على الصيد البحري.

وأضاف الباحث أن المطلوب اليوم هو استغلال هذه الأملاح والمعادن التي تفرزها عملية التحلية، كالمغنيسيوم والكالسيوم والبوتاسيوم، في مشاريع فلاحية واقتصادية مهمة كتربية المائيات، لتدر الكثير من الأرباح، ونحافظ بذلك على البيئة البحرية.

الحديث عن الأضرار مبالغ فيه والمخلفات مورد اقتصادي


ويرى الباحث المغربي جواد الخراز الذي يرأس قسم الأبحاث بمركز الشرق الأوسط لتحلية المياه، أن التحذيرات والمخاوف التي خلصت إليها الدراسة والكثير من الدراسات السابقة مبالغ فيه وتحمل الكثير من التهويل، لأن كل المحطات لها آليات لمراقبة هذه المياه شديدة الملوحة، ولذلك تنحصر هذه المشكلة في المحطات التي تقع على خلجان أو بحار مغلقة أو بحيرات، وهنا يمكن أن تتحول هذه المياه إلى مشكلة بيئية إذا لم تتوفر آليات للتصفية والمراقبة.

وأضاف جواد الخراز أنه من المعروف أن المخلفات التي تفرزها المصانع أشد ضررا من المياه شديدة الملوحة.

المخلفات التي تفرزها المصانع أشد ضررا من المياه شديدة الملوحة (رويترز)

وأكد محدثنا أن مشكلة المياه المالحة الراجعة من محطات التحلية مطروحة أيضا على مستوى المحطات البعيدة عن السواحل كتلك التي يستعملها المزارعون أو التي تغذي المدن الداخلية بالمياه العذبة.

وتطرق الخراز إلى الفرص الاقتصادية التي تتيحها هذه المياه شديدة الملوحة حيث أكد أنه يمكن استخدامها في زراعة الطحالب التي بدورها تستعمل بعد طحنها غذاءً للأسماك، وهي التقنية التي يعتمدها الكثير من المزارعين الذين يعتمدون على تحلية المياه في سقي أراضيهم.

“الدراسات بحاجة إلى تحقيقات ميدانية”

تعتبر الجزائر من البلدان التي انتهجت هذا الخيار في توفير الماء الشروب، حيث أنجزت منذ 2005 عشر محطات بسعة إجمالية تقدر بحوالي مليوني متر مكعب في اليوم، وهي تحضر لإطلاق خمس محطات في المستقبل القريب. وقد ساهمت هذه المحطات في ضمان الأمن المائي لـ25% من الجزائريين.

وأجرت الباحثة الجامعية بجامعة جيجل أمال ينون دراسة نظرية عن الآثار البيئية لمحطات تحلية مياه البحر من 2005 إلى 2015 بالتعاون مع الباحث الجامعي في الاقتصاد كمال بوعظم من جامعة سطيف، وخلصت إلى أنه لا توجد دراسات ميدانية حول الآثار السلبية التي تتسبب فيها هذه المحطات على البيئة.

وأكدت الباحثة أنها واجهت صعوبات كبيرة أثناء إجراء دراستها منها عدم السماح لها بدخول هذه المحطات، وهو ما عزز شكوكها في جدية الإجراءات التي تتخذها هذه المحطات في التعامل مع المياه شديدة الملوحة والمعادن.

وأضافت الباحثة أن كل الدراسات التي أجريت في العالم حول عمليات تحلية مياه البحر تؤكد نظريا أن هذه التقنية لها أضرار بيئية، غير أن هناك حلولا، لكن المطلوب اليوم هو إجراء دراسات ميدانية تكشف بدقة حجم ونوع الأضرار التي تلحقها هذه المحطات بالبيئة البحرية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق