مقالات رأي

هل تأكل السلطة أولادها؟

الكاتب | ياسين عزالدين

أصدرت محكمة تابعة للسلطة أحكامًا بالسجن لمدة 3 شهور على موسى حديد رئيس بلدية رام الله وعزام إسماعيل رئيس بلدية البيرة.

وهما لم يحاكما بتهمة فساد (كما قد يظن المرء للوهلة الأولى) بل باتهام يتعلق بخلاف حول جباية بعض الرسوم البلدية.

القضية رفعها على البلديتين صاحب مدرسة سياقة، لأن البلدية أصرت على استيفاء رسوم ترخيص لمحله، وتذرع بوجود قرار محكمة يعفيه من دفع الرسوم للبلدية وأن يدفعها إلى نقابة أصحاب مدارس السياقة بدلًا من البلدية.

ووجدت المحكمة أن البلدية مذنبة وعليه حكم على رئيسها بالسجن لمدة 3 شهور.

هنا يجب وضع النقاط على الحروف:

أولًا: القرار يتعلق بخلاف إداري وليس جريمة ارتكبها الرجلان، ولهذا من الغريب أن يصدر قرار حكم بالسجن، فضلًا عن عدم وجود مسوغ لتدخل القضاء في أمور تشريعية وتنفيذية.

ثانيًا: القضاء الفلسطيني هو نسخة عن القضاء المصري، من حيث المزاجية في تطبيق القانون والمحسوبية في تعيين القضاة ووكلاء النيابة (آخر دفعة عينت من وكلاء النيابة كان جميعهم أقارب لمسؤولين كبار في السلطة واعترضت نقابة المحامين عليها).

ولعل قرار المحكمة العليا بعدم قانونية تعيين النائب العام أحمد البراك بعد ثلاثة سنين من تعيينه يعطينا فكرة عن التخبط والعشوائية في القضاء الفلسطيني.

وعليه فمثل هذه الأحكام ليست بريئة ولا يتم الحسم فيها بهذا الشكل بدون توجيهات من أعلى.

ثالثًا: رغم أن موسى حديد وعزام إسماعيل من حركة فتح، إلا أنهما ترشحا في قوائم غير قوائم فتح الرسمية، وترأس موسى حديد قائمة محسوبة على “تنظيم فتح” في رام الله ونافس القائمة الرسمية لفتح والتي شكلها ابن أخ محمود عباس وتمكن من الحاق هزيمة كاسحة به.

أما عزام إسماعيل فنافس قائمة فتح الرسمية وتحالف بعد ظهور النتائج مع قائمة تضم مستقلين وإسلاميين ليخرج قائمة فتح الرسمية من رئاسة البلدية.

فكلا الرجلين يمثلان ما أسميه “فتح التنظيم” وقاما بتحدي “فتح محمود عباس”، وأقصد بفتح التنظيم القواعد الشعبية لحركة فتح في المجتمع الفلسطيني.

رابعًا: الدافع الحقيقي لمحاكمة الرجلين هو أنهما يرفضان محاولة السلطة الاستيلاء على ضريبة المعارف وبعض الرسوم التي تحصلها البلدية، والتي تتحكم البلدية بصرفها وفق القانون.

السلطة تحاول أن تأخذ هذه الرسوم عبر وزارة المالية من أجل المساهمة بحل أزمتها المالية مما سيفقد البلديات موردًا ماليًا هامًا، ولهذا رفض الرجلان محاولة السلطة الاستيلاء على هذه الرسوم.

وواضح أن السلطة لفقت القضية من أجل لي ذراعيهما وإجبارهما على الرضوخ لها في قضية ضريبة المعارف.

خامسًا: هنالك غضب شديد في صفوف “تنظيم فتح” في رام الله ورفض لقرار المحكمة، وهذه ليست أول مرة تصطدم السلطة مع قواعد فتح الشعبية في الضفة الغربية مؤخرًا.

والشرخ يتوسع بين السلطة وقواعد حركة فتح ابتداءً من قضية الضمان الاجتماعي مرورًا بتصريحات حسين الأعرج وانتهاءً بقرار سجن رئيسي البلديتين.

قوة السلطة تستمدها من ركيزتين: الغطاء الأمني والمالي الذي يقدمه الاحتلال، والغطاء الوطني والشعبي الذي تقدمه قواعد حركة فتح.

ويبدو أن قيادة السلطة تظن أنها تستطيع الاستغناء عن قواعد حركة فتح غير مدركة أنها إن فقدتها فستنهار وستكون أيامها معدودة.

لحد الآن تلتف قواعد فتح الشعبية حول السلطة التي تستخدم شماعة الخوف من حماس منذ أحداث الانقسام عام 2007م لجمع هذه القواعد حولها كلما ارتفع التذمر من سياسة محمود عباس.

ولهذا رأينا السلطة تفتعل الصراع والمشاكل مع حركة حماس كلما اشتدت الأزمات الداخلية في الضفة الغربية، وحاولت ذلك مؤخرًا عبر افتعال أزمة مهرجان انطلاقة فتح في غزة.

لكن تزايد الشرخ بين “فتح السلطة” و”فتح التنظيم” يهدد هذه المعادلة التي أعطت سلطة محمود عباس الثبات والاستقرار طوال الاثني عشر عامًا الأخيرة.

التخبط الذي ميز قرارات السلطة مؤخرًا، واستعداءها جميع أطياف الشعب الفلسطيني بما فيها قواعدها الشعبية، والسعي المحموم لتأمين موارد مالية جديدة بأي ثمن، كلها تهدد بتقويض السلطة من الداخل.

نصيحتي لحركة حماس أن تسعى لمد جسور التواصل والثقة مع “فتح التنظيم” رغم كل الاختلافات (وهي كثيرة وجوهرية) والأحداث الماضية ومحاصرة وخنق “فتح محمود عباس”، فالمستفيد من ذلك لن يكون حركة حماس فقط بل حركة فتح نفسها والشعب الفلسطيني بأكمله، والخاسر سيكون الاحتلال الصهيوني.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق