مقالات رأي

بقلبها وعزمها…هكذا أسندت أمل زوجها ساري

نوار ثابت..

“وحدها مع زوجه، وحدهما هكذا حرفيًّا، حملا همّ قضيّته واعتقاله القاسي لدى السلطة، دارا على مقرّات الأجهزة الأمنية، وحدهما، طرقا باب المحكمة العليا، وحدهما، وسّطتا مؤسسات حقوق الإنسان، وحدهما، استنجدتا بالمحامين، وحدهما، تكفّلتا بكل ما يلزمه، وحدهما، انشغلتا به، طعامه، شرابه، كتبه، مجلاته، ملابسه، زياراته، والسعي لعلاجه أثناء اعتقاله، وحدهما، لا أحد سواهما.

ذات مرّة وقد أقلّت زوجُه حملَه على ذراعها، يتكئ عليها في يوم ثلجي عاصف، تقوده إلى مخبئ له، حين كان مطلوبًا للاحتلال، ثم وسّدته حجرها في غرفة فقيرة من الأثاث، وألقت سكينتها على جسده المثقل بالحمّى والمرض، حتى إذا استفاق بعد ساعتين، وجدها قد ألقت عليه ثوبها، وقد صار البرد عليها دفئًا وسلامًا.. لا شيء يتذكره هنا، سوى أنها قالت له في ساعة جدال بينهما “ما تزوجتك إلا لأدخل بك الجنّة”..

عرسها لم يكن كأيّ عرس.. إذ أخذها من قاعة عرسها إلى شقّة لا تدري بها، ولا يدري بها أيّ أحد، ثم ظلّت تلاحقه من مخبئ إلى آخر، تحمل له طعامه وملابسه، وتدبّر له أمر دراسته في الجامعة التي طال شأنه معها، وكأنّها -وهي زوجه- كأخت موسى، تغامر، فيما يحجم عنه الرجال، ليستند إليها رجل، حتى كادت تُقتل حينما اعتقلته القوات الخاصة من شارع في قلب رام الله، وهي متشبثة به، وحدها متشبثة به، ليقتلعوها عنه بدفعها ورميها على الأرض، لكنّ جذرها ظلّ في قلبه..

وحدها بعد زواجها منه، حملت كتفًا عن أمه، تزوجته قبل أن تتخرج من جامعتها، وتخرجت وهو في سجنه لدى الاحتلال، وعملت كي تتدبّر له أثمان كتبه ومجلاته في سجنه، أرهقها بذلك كله، وأرهقها هي وحماتها، وهما تنظران فرادة حالته في سجنه لدى السلطة، أو ندرتها، وقلة شركائه في عين محنته، تأتيان متصبرتين لتغسلاه من همّه، فترجعان بهَمّ الأرض كله بعدما تعاينان حاله في أسره.


امرأتان بألفي رجل

 

تعود هذه الصورة للاعتقال الأول للمفكر ساري عرابي عند سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

قطعة صغيرة من حكايتهما.. لا رجال فيها.. ولكنّهما امرأتان وحيدتان بمجد عظيم. الكتابة عن شخص تعرفه أمر صعب للغاية، ولكنني على الأقل أدرك أن الأدوار مقسمة في هذه الحياة؛ ثمة من يفكرون، وثمة من يكتبون، وثمة من يفعلون. دعونا نتوقف عند هؤلاء قليلا، نحاورهم ونسمع منهم، ونتعلم من تجاربهم. ربما يصبون علينا القليل من بحور الصبر لديهم، أو ربما يغدقون ولو بجزء يسير من طمأنينة تملأ عالما من قلب صغير!

هؤلاء تحديدا يمتلكون طاقة، تحول الأشياء من حالتها بالقوة، إلى الفعل، فيكونون عللا فاعلة وهي مستبشرة!

إنهم عرابو النجاح، وظلال الأبطال، وخطوط الدفاعات الأولى والأخيرة، والكواليس التي تحضر لحدث كبير، وفرجة مؤثرة، ويصنعون للشخوص مكانا في الذاكرة. كان لي حوار اليوم مع أمل رجل قسم الله له من هذه الدنيا عظيم الابتلاء. أمل رجل وقف خلف باب مغلق، تبصر له، وتعينه، وتدفعه نحو الأمام. وسبحان الذي قسم لها من اسمها هذا النصيب!

أمل راشد، امرأة ثلاثينية، ومعلمة مدرسة، وهي بطبعها هادئة ومستقرة، يبعث الحديث معها على السكون، وتنشر الطمأنينة لكل من حولها، بل إنها تسحب التوتر عمن حولها بشكل عجيب. تزوجت من الأستاذ ساري عرابي وهو الناشط الطلابي السابق في جامعة بيرزيت، وأحد تلامذتها في مرحلتي البكالوريس والماجستير، وهو كاتب وناقد ومحلل سياسي.

وعند سؤالي لأمل عن لقائهما وتعارفهما، قالت: “هو من نفس بلدتي رافات، ولكنني لم أكن أعرفه جيدا، إلا من خلال الجامعة، وكلانا ناشطان في الحركة الطلابية، وقد ارتبطنا خلال فترة دراسته الجامعية. حيث استمر في الجامعة أحد عشر عاما، ما بين اعتقال ومطاردة من قبل الاحتلال والسلطة. وبالطبع فقد تزوج خلال هذه الفترة، لأنه لم يعرف متى سيتمكن من التخرج”.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق