مقالات رأي
أخر الأخبار

في ذكرى الإنطلاقة.. همسة تاريخية في الأذن الفتحاوية

الكاتب| كرم زكارنة

عندما بدأت النواة الأولى لتأسيس فتح في الكويت عام 1959، كان ياسر عرفات الوجه الأبرز بالنسبة لكل القائمين على التأسيس، وذلك لقربه من الإخوان المسلمين، وبالتالي لن نستغرب إذا علمنا أن أول مجلس قيادي للحركة كان فيه أربعة إسلاميون من أصل خمسة قادة!
 
لم تلبث الحركة بضعة سنوات حتى غيّرت توجهها الفكري، حيث طلبت الحركة عام 1963 من أعضائها الإختيار بين الإنضمام إلى الحركة الإسلامية، أو البقاء في حركة فتح ولكن تحت غطاء وطني غير إسلامي، فاختار الأغلبية الإنضمام للحركة الإسلامية، ودخلت فتح في مرحلة من العزلة اتجهت على إثرها نحو التيارات العلمانية.
 
في العام التالي شعرت الحكومات العربية بالقلق تجاه كثرة المنظمات الفلسطينية الوليدة، فدعم جمال عبد الناصر تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة أحمد الشقيري، وفي ذات العام قررت فتح بداية العمل العسكري ضد إسرائيل، ونفذت بتاريخ 31-12-1964 أولى عملياتها المعروفة باسم “نفق عيلبون”.
 
الفتحاويون يعتبرون هذا التاريخ هو ذكرى إنطلاقتهم، وبرمجوا الرزنامة الخاصة بهم بناءًا على ذلك، ما يدفع كل قارئ في التاريخ لطرح التساؤلات، لماذا تبتعد الحركة عن ذكر تاريخها قبل 1965؟ هل يريد الفتحاويون طمس تلك الحقبة؟ أم أن الأمر يعود لتاريخ الثورة المسلحة؟ وهل تجهل أجيال فتح تاريخ التأسيس الحقيقي؟
 
استمر الشقيري رئيسًا للمنظمة حتى 1968، حيث وجد نفسه مضطرًا للإستقالة على إثر النقد الشديد الذي تعرض له كونه ضالع رئيسي في جريمة التخدير الجماهيري الذي مارسته القيادات العربية قبل النكسة.
 
نُصّب يحيى حمودة رئيسًا للمنظمة ريثما ينعقد المجلس الوطني الفلسطيني ويقرر الاسم الأنسب للمرحلة، يمر المؤرخون الفتحاويون عن رئاسة حمودة مرور الكرام كونها فترة إنتقالية، ولكن الحقيقة أن هذة المرحلة كانت كارثية بكل ما للكارثة من معنى، تمثل ذلك في إحلال الميثاق الوطني الفلسطيني محل الميثاق القومي، أي أن القضية خرجت من بعدها العربي بعد أن خرجت من البعد الإسلامي!
 
لمصلحة من أخرجت فتح قضيتنا من حاضنتها الإسلامية في المرة الأولى عام 1963؟ ولمصلحة من أخرجتنا من حاضنتنا العربية عام 1968؟ هل كانت الحركة قادرة على المجابهة لوحدها؟ وهل فلسطين للفلسطينيين وحدهم؟ وهل هزيمة 1967 ذريعة كافية للإنسلاخ عن الجلد العربي؟
 
انعقد المجلس الوطني عام 1969 واختار أعضاؤه ياسر عرفات رجلًا للمرحلة، وكما نعلم بقي عرفات على رأس فتح والمنظمة حتى مماته وخلفه محمود عباس، ونعلم أيضًا أنهما يتبعان منهجين متناقضين تمامًا، الأول اتخذ من البندقية دستورًا، أما الثاني فقد كان يرى الحل السلمي منطقي أكثر من غيره، ولكن ما غفلنا عنه أن محمود عباس بدأ محاداثاته السلمية مع الإحتلال في نفس العام الذي تولّى فيه عرفات رئاسة المنظمة، وكان على علم ويقين بذلك ولم يحرك ساكنًا رغم أن المادة 48 من القانون الثوري الفلسطيني المعمول به آنذاك كانت تنص على الإعدام رميًا بالرصاص لكل من يتعامل مع الإحتلال بأي شكل!
 
تُرى لماذا صمت عنه؟ لماذا سمح له بذلك؟ لماذا منحه المنصب تلو الآخر؟ وما هذه المصادفة الخارقة بأن يكون هو نفسه خليفته في الحكم؟
 
بعد عام من تولي أبو عمار القيادة، قامت معارك دامية بين القوات الفلسطينية والجيش الأردني، انتهت المواجهات بتدمير المخيمات الفلسطينية وإغلاق جميع معسكرات التدريب وقتل ثلاثة آلاف فلسطيني، ولكن الخسارة الأكبر كانت إجلاء المقاومة من الأردن صاحبة أطول حدود مع إسرائيل وقاعدة إنطلاق العمليات الفدائية.
 
وللمتسائلين عن سبب القمع الوحشي للثوار في الأردن أورد بعضًا من تصرفات أبناء الفتح حينها:-
استعراضات عسكرية في العاصمة عمان دون إذن من الحكومة الأردنية، إختراق قواعد السير وضرب الشرطي وسحله وخطف سلاحه في حال خالف سيارة الفدائيين، الإعتداء بالضرب المبرح على كل قاضي يحكم بسجن فدائي بغض النظر عن صحة الحكم، دق المسامير في رأس كل من يتفوه بكلمة إعتراض على التصرفات الفتحاوية، إطلاق التحديات الصارخة للحكومة الأردنية حتى بدأ عرفات بالتخطيط لتشكيل وزاري رغمًا عن الملك في عقر دياره!
 
خرجنا من الأردن بملابس نساء وبوساطات عربية، كانت لبنان وجهتنا التالية، حيث إستقبلنا شعب لبنان الطيب بالورود والأكاليل، ما لبثت فتح أعوام قليلة حتى عادت لعادتها القديمة، جيش ودولة داخل الدولة، تطاول وتدخل في كل ما لا يعني الشعب الفلسطيني، حتى وصل الأمر لدخول الحرب الأهلية اللبنانية تحت ذريعة الضغط اليساري الواهية، دخلنا حربًا لا ناقة لنا فيها ولا جمل!
 
بقيت إسرائيل متفرجة سعيدة بما يفعله الفلسطينيون في لبنان، حتى تأكدت أن الإنهاك ضرب أوصال المنظمة والحركة، وأن الخلافات دبّت بين القادة حتى أصبحوا خصومًا في ساحات القتال، فدخل جيش الإحتلال عام 1982 بالغًا بيروت دون عناء!
 
عندما أحكم العدو الخناق على بيروت اجتمع قادة الفصائل، وكانوا منقسمين بين القتال أو الإنسحاب دون تكليف الشعب اللبناني المزيد من الخسائر، فأجبرهم الياسر على القتال بالرغم من الوضع المأساوي والهزيمة الحتمية، اعتمد في قراره على الأسلوب الذي تتخذه جدتي التسعينية أسلوبًا لصناعة القرار، لقد فتح المصحف بشكل عشوائي فظهرت أمامه آية جهادٍ فأمر بالقتال!
 
أهكذا تتخذ قرارات الحرب؟ أهذا أسلوب رجال المرحلة في إدارة شؤون القضية؟ هكذا نقرر مصير شعب بأكمله ومدينة عريقة مثل بيروت؟ أهذه هي الخبرة السياسية الممتدة منذ الخمسينات؟
 
بعد 82 يوم من القصف والتدمير وافقت المنظمة على الإنسحاب، بعد التدمير شبه الكلي لبيروت، وبعد خسارة أشد رجالنا وخيرتهم، وبعد استشهاد معظم القادة الميدانيين للثورة، وبعد تجاهلنا للآية التي أمرتنا بالقتال في بداية المعركة😂.
 
خرجنا من لبنان، غادرنا وفي أعناقنا مظالم لا عد ولا حصر لها، إستحياء للنساء اللبنانيات من الطائفة المسيحية، سرقة وبلطجة علنية بحجة إطعام الثوار، سحل وضرب وتكسير عظام لكل من ينطق بكلمة لا تعجب فدائي يقف على حاجز في بلدٍ فتحت له الأبواب واحتضنته، خرجنا من لبنان وفي كل بيت من بيوتها جريح او قتيل او مغتصبة يلعنون فتحنا وثورتنا وقضيتنا!
 
أما بعد، أتذكرون الكويت التي ذكرتها في بداية المقال على أنها الحاضن الأول لفتح؟
دخلها الجيش العراقي وضمها للعراق كونها كانت جزءًا من البصرة قبل الإنتداب، فما كان من ثوارنا إلا الوقوف في الصف العراقي مؤيدين ضم الكويت، بل وخرجت التصريحات القيادية وعلى رأسها تصريح عرفات الذي نص على التأييد المطلق للعراق وإتهام الكويت بتفضيل النفط على المقدسات.
 
ويحنا! نبصق في الوعاء الذي أطعمنا! نعض اليد الممتدة لنا! نطعن الظهر الذي سندنا! أين عقولكم يا أبناء فتح!
 
ثم ماذا؟
هُزمت العراق هزيمة ساحقة، ودخلنا في مرحلة عزلة دبلوماسية، وفقدنا كل الحلفاء والأصدقاء لما بدر منّا من خيانة تجاه الكويت، فذهبنا للمفاوضات مع الإحتلال صاغرين، رغمًا عنّا وقعنا أوسلو، رغمًا عنّا تنازلنا عن 78% من الأرض الفلسطينية، كل هذا حدث على إثر رعونة القيادة الفتحاوية في حرب الخليج.
 
لنفترض أنهم شرفاء ووقعوا في الخطأ وكل ابن آدم خطّاء، ألا يترك الشريف منصبه ويعود لصفوف الجماهير عند الوقوع في خطأ بهذا الحجم؟ ألا تثور طبقة الشباب الشريفة على هذه القيادات؟ ألا يحدث أي تغيير إيجابي؟
 
أسسنا سلطة إنتقالية، تحكم الشعب ولا سلطة لها على الأرض، تريح الإحتلال من الرواتب والخدمات والإلتزامات كلها، كل هذا مقابل وعد بتأسيس دولة فلسطينية بعد 5 أعوام.
 
انقضت الأعوام الخمسة دون أي تقدم، ولا دولة في الأفق، إذن نعلن التجرد من أي التزام مع المحتل ونحل السلطة ونعود لقواعدنا في تونس والجزائر، ليعود الإحتلال ويتكبد عناء إطعام الشعب الذي احتله وجرده من أرضه!
 
لا لم نفعل ذلك، بل قررت فتحنا أن ندخل معركة شاملة مع المحتل، إنتفاضة ثانية يُهدم فيها الحجر ويجرف الشجر ويقتل البشر، تدمير كامل للبنية التحتية، شلل كامل للضفة الغربية، انتشار العصابات والخاوات بحجة أنهم ثوار، سيارات مسروقة في كل مكان، وثأرٌ يطارد كل عائلات فلسطين في ظل إنعدام تام للأمن.
 
تنتهي الإنتفاضة دون تحقيق أي مكسب، والشعب حانقٌ غاضبٌ على الثوار، وينتظر أي قوة أمنية تضبط البلاد مهما كانت توجهاتها، فيموت عرفات ويخلفه المفاوض عباس في هذا التوقيت سبحان الله، وتأتي حكومة منهجها الإستسلام والإنبطاح على كل الأصعدة، وكلما اعترض الناس يتم تذكيرهم بالخاوات إبّان الإنتفاضة.
 
ثم نأتي برئيس وزراء “تكنوقراط” على غرار سلام فيّاض، فتغرق البلد بالقروض، كل الشعب تلاحقه الديون على إثر تسهيل القروض لشراء السيارات والشقق السكنية وغيرها، حتى وصلنا لمرحلة عبادة لقمة العيش، ونسيان القضية والمقدسات، بل وانتقاد من يواجه الإحتلال واتهامه بالمغامرة.
 
في ظل أي حكم حدث كل هذا؟ في ظل أي فصيل عشنا كل هذه الكوارث؟ تحت أي قيادة وصل الأمر لما هو عليه الآن؟
 
أيها الفتحاوي المغرر بك، عليك في ذكرى الإنطلاقة أن تبكي وتتألم وتجهش في كتابة منشورات الإعتذار لشعبك، فأنت تحمل إرثًا كارثيًا لا تقوى الجبال على حمله، تاريخ من العار والرعونة والغباء السياسي منقطع النظير!
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق