مقالات رأي

فلسطين والتحولات التي أكّدها العام 2018

الكاتب: ساري عرابي

أكّد العام 2018 جملة تحوّلات تحفر بعمق في القضية الفلسطينية وما يتعلق بها إقليميًّا ودوليًّا، وعلى الأرجح فإنّ هذه السنة المنقضية تمثّل بداية الترسيم النهائي لقَطْعِيَّة تلك التحولات الناجمة عن صيرورة أوسع وأشمل، وبما يتجه نحو تغيّر في موازين القوى على الضدّ من مصلحة الكيان الصهيوني.

السياقات الكبرى
في السياقات الكبرى، تجدر الإشارة إلى ترنح التحالف الصهيوني، الذي جعل من تصفية القضية الفلسطينية واحدة من أهم مشاريعه في العام المنصرم، فإدارة ترمب محاصرة داخل الولايات المتحدة، وتعكس حالة غير مسبوقة من انقسام المؤسسة الأمريكية والنخبة الحاكمة هناك، وبالنظر إلى مركزية الولايات المتحدة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فإنّ هذا الانقسام فرصة ثمينة للنفاذ منها إلى تكريس حقائق جديدة على الأرض.

بصرف النظر عن تفاصيل معاناة إدارة ترمب داخل الولايات المتحدة، فإنّ هذه الإدارة، فشلت في فرض تسوية تنهي القضية الفلسطينية. وإضافة إلى أزمتها الداخلية، فإنّ تحالفها الشرق أوسطي، وبعد أزمة خاشقجي، في أسوأ حالاته، وهو مهدد بالانفراط.

وعلى الرغم من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، وحصار قطر، والتحديات التي واجهت تركيا أخيرًا، فإنّ تركيا وقطر خرجتا أكبر المستفيدين من الأزمات الأخيرة، وهاتان الدولتان، خارج التحالف الصهيوني الشرق أوسطي، الذي تديره إدارة ترمب وبنيامين نتنياهو، حتى وإن كان لهما نمط علاقاتها الخاصّ بالولايات المتحدة.

أمّا إيران فما تزال لاعبًا أساسيًّا في الموضوع السوري إلى جانب تركيا وروسيا، وبالإشارة إلى الانسحاب الأمريكي من سوريا وبالتنسيق مع تركيا، فإنّه يمكن القول إنّ إيران اليوم على حدود “إسرائيل”، وما تزال شمال فلسطين المحتلة على حافة الحرب في أيّ وقت، وهي نافذة محتملة؛ لتحولات أكبر خلال السنوات الثلاث القادمة.

في السياقات الذاتية
أول ما ينبغي الحديث عنه، هو الإعلان الرسمي عن فشل مشروع التسوية، الذي كان قد تأكد فشله منذ سنوات، بيد أن قرارات إدارة ترمب الأخيرة، ولاسيما تلك المتعلقة بالقدس قد رسّمت ذلك ونهائيًّا، وهو ما سينعكس بالضرورة على القوى الفلسطينية التي تعلّقت بهذا المشروع.

هذا الفشل لا بدّ وأن تكون له ارتدادات جارية تخلخل في الواقع الفلسطيني الراهن. يمكن التدليل على هذه الارتدادات بحالة المقاومة المستمرة في الضفّة الغربية والقدس منذ أربع سنوات ونصف، وهو الأمر الذي يعني انفتاح نوافذ في الجدار الصلب المكوّن من عناصر سياسية وثقافية واقتصادية وأمنية، هذه الثغرات ناجمة عن تلك الخلخلة المشار إليها.

الحصار المضروب على قطاع غزّة، والذي أخذ يتصاعد في السنتين الأخيرتين، لم يفض إلى تقويض حكم حماس شعبيًّا، ولا إلى دفعها إلي حرب مدمّرة مع “إسرائيل”، وعلى العكس من ذلك، أخذت المساعي تظهر لكبح أي احتمالات للانفجار في غزّة، ولتخفيف الاستنزاف عن “إسرائيل” الذي أوجدته “مسيرات العودة”، وباتت “إسرائيل” أقلّ قدرة على فرض معادلاتها الأمنية والعسكرية، وفي الوقت نفسه مثّل المصريون، وهم من ألدّ خصوم حماس الإقليميين، بوابة لتلك المساعي المشار إليها.

وبينما انصرفت “إسرائيل” عن قطاع غزّة إلى تدمير أنفاق حرب الله في شمال فلسطين المحتلة، فإنّها تظهر عجزًا عن خوض مواجهتين في وقت واحد، وبما أنّ المنطقة في حالة سيولة مفتوحة، فإنّ احتمالات المواجهة قائمة دائمًا، وبالتالي فإنّ العجز الإسرائيلي فيما هو آتٍ من المحتمل أن يظهر بصور أوضح مما ظهر عليه في العام 2018.

وحين الحديث عن العجز الإسرائيلي يجري الحديث عن أزمة النظام السياسي الإسرائيلي الذي بات رهينة اليمين الأعمى، المنغلق على نفسه، والرافض لأيّ حلول من شأنها أن تعطي “إسرائيل” فرصة للتمدد والارتياح في المنطقة والعالم، والمتحالف مع قوى اليمين العنصري في العالم على الضدّ من مصلحة قوى وتيارات العولمة، وبالتالي دخول “إسرائيل” طرفًا في صراعات خفيّة كبرى.

حين الحديث عن أزمة الحكم في “إسرائيل” يتجلى فقر الطبقة القيادية الحاكمة العاجزة عن استبدال شخصية فاسدة ذات نزعات ديكتاتورية، أي بنيامين نتنياهو، وهو ما من شأنه أن يهدد الوجود الإسرائيلي برمّته كما قال إيهود باراك في تصريحات أخيرة له.

وحتمًا لا يمكن فصل أزمات الحكم الإسرائيلي، عن فشل الدعاية الأمنية لحكومة بنيامين نتنياهو، فلا هي روّضت حماس في غزّة، ولا هي حافظت على “الهدوء” في الضفة، ولا هي أنهت التهديد الإيراني في شمال فلسطين جذريًّا، وإذا كان العام قد خُتم بجولة مواجهة قصيرة بدت فيها المقاومة في غزّة وكأنها حققت إنجازًا عسكريًّا وأمنيًّا وسياسيًّا، فإنّ حكومة نتنياهو أخذت بالتفكك ذهابًا لانتخابات مبكّرة.

إقرأ المزيد
https://palinfo.com/249407
جميع الحقوق محفوظة – المركز الفلسطيني للإعلام

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق