مقالات رأي

في ذكرى “حماس”.. حضور في السياسة والميدان

الكاتب: أحمد أبو زهري

منذ وطئت أقدام الاحتلال الاستعماري أرض فلسطين قبل مئة عام شعبنا يدرك حقيقة الظلم التاريخي الذي يستهدفه، فلم يقبل على نفسه وجود كيان احتلالي يحاول اقتلاع أصحاب الأرض الأصليين ليحل مكانهم، فقرر شعبنا الدفاع عن أرضه المسلوبة، فهبّ أبطال فلسطين يستهدفون الاحتلال ومستعمراته بالأدوات والوسائل البسيطة والمتاحة لهم.

وسنةً بعد أخرى أخذ الصراع يمتد ويشتد، وظل يتأجج وتتسع رقعة مساحته، وتتطور وسائله وأدواته حتى تشكلت المجموعات المسلحة المقاتلة، والحركات الفلسطينية المقاومة، للدفاع المشروع عن الأرض والشعب والهوية الفلسطينية.

وفي هذا الخضم انطلقت حركة حماس في 14 ديسمبر 1987م، وكانت الشرارة التي انطلقت من رحم المواجهة المستمرة ومن قلب الصراع لاسترداد الحقوق ورفض وجود الاحتلال، لتأخذ هذه الحركة على عاتقها مسؤولية الدفاع عن فلسطين، وتعقد العزم على مواصلة الكفاح حتى نيل حقوقنا المشروعة كافة، وقد أحدث وجود هذه الحركة التحررية الوطنية ذات التوجه الإسلامي تحولًا في طريقة المواجهة، وإضافة نوعية إلى العمل المقاوم لتزيد من زخم المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي.

حرصت حماس على تطوير الأدوات والإمكانات منطلقة بحجارة الانتفاضة إلى المقلاع والسكاكين، ثم أدخلت البنادق ذات التصنيع المحلي والقنابل اليدوية، ثم أصبح من الضروري أسر وقتل جنود إسرائيليين ومستوطنين، والحصول على سلاحهم واستخدامه في عمليات مختلفة، وقد برعت في ذلك، ولم تغفل البعد الإعلامي، فاهتمت بتوثيق العمليات لفضح الاحتلال، ورفع معنويات شعبنا المكلوم، لم تقف عند هذا الحد؛ فمع اشتداد وطأة الجرائم الصهيونية وكثرة الاعتقالات والإبعاد القسري إلى خارج فلسطين جاءت العمليات الاستشهادية، التي كانت قفزة في أدوات المقاومة، فساد الرعب في كل شوارع الأراضي المحتلة والأماكن الحيوية للكيان فيها.

لكن هذه الحركة كانت تتطلع إلى مواكبة مجريات الأحداث، وتنظر بمسؤولية إلى ما يحدث في فلسطين، وتدرك أهمية امتلاك أسلحة أكثر قوة وإيلاماً تربك حسابات الصهاينة؛ فبدأت تصنيع الصواريخ البدائية وقذائف “الهاون”، إلى أن تطورت مع الوقت إلى صواريخ غاية في الدقة وأكثر فتكاً بالأهداف الإسرائيلية، ووصلت إلى مساحات تغطي كل الخريطة الفلسطينية المحتلة، لتضع الكيان أمام تحديات ومعادلات جديدة في توازن الردع، وفي الوقت ذاته لم يعد الكيان الإسرائيلي هو الوحيد من يحلق في سماء فلسطين، فقد حلقت طائرات كتائب القسام “أبابيل” في سماء الأراضي المحتلة في عام 2014م.

إنها طفرة في الصناعات الحربية القسامية وصراع خفي في تطوير الأدوات يطل علينا في كل مواجهة، لم ينته الأمر بعد؛ ففي عدوان الاحتلال عام 2014م نقلت شاشات التلفزة خروج قوات “كوماندوز” بحرية لكتائب القسام تقتحم قاعد “زيكيم” الإسرائيلية وتوقع في العدو قتلى وإصابات، وخلف خطوط العدو يتفاجأ الجيش الصهيوني بخطر آخر كانت قد أعدته كتائب القسام في الأنفاق، التي تسلل عبرها عشرات المقاتلين الذين نفذوا مهام قتالية مباشرة من نقطة صفر، وأعلن على أثرها فقدان الاتصال بجنود إسرائيليين. مشهد متكامل وأدوات حاضرة على كل جبهة، فالدبابات الإسرائيلية أيضاً تعامل معها القسام بوسائل شتى انطلاقًا بالعبوات وانتهاء بالصواريخ الموجهة المضادة للدروع التي وضعت حدًّا لتفوق “الميركافاة” الصهيونية.

بينما الصراع يتواصل في مواجهة العدو حرص القسام في كل مهامه القتالية المشروعة على تفادي استهداف المدنيين، خصوصًا مع تطور أدوات ومفاهيم العمل، مراعياً بذلك مبادئ القانون الدولي، وأحكام وقواعد القانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، وقد ظهر حرصه حين حذر شركات الطيران العالمية قبل قصف مطارات الاحتلال، وفي الوقت ذاته طلب من مستوطني “الغلاف” المغادرة.

لم تقف حماس عند العمل العسكري؛ فقد احترفت العمل السياسي لتنال ثقة الجماهير، وتفوز في الانتخابات البرلمانية عام 2006م، وتشكل الحكومة، ليكون ذلك رافعة لمشروع المقاومة، ففرض حصارًا ظالمًا على قطاع غزة الكيانُ الإسرائيلي لوقف التطور الحاصل والمد الجماهيري والسياسي لحماس على مستوى فلسطين والمنطقة.

تتزامن ذكرى انطلاقة حركة حماس وفعاليات الاحتفال، واشتعال جبهة الضفة الغربية، وتصاعد العمليات الفدائية التي أرسلت فيها حماس رسالتها الأهم والأقوى، أن “مسيرتها التي انطلقت من أجلها وقدمت خلالها خيرة قادتها مستمرة في المقاومة والجهاد حتى النصر والتحرير”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق