مقالات رأي

أشرف نعالوة وصالح البرغوثي.. النور العصي على الانطفاء

ساري عرابي

لو كان نور الشهيدين قابلاً للانطفاء لما انبعثا أصلاً، أمّا وقد انبعثا فهذا لا يعني أنهما في ذاتيهما فحسب قد تساميا على الواقع المستحيل، لكنه يعني بالإضافة إلى ذلك أن هذا الواقع ليس بتلك الاستحالة الظاهرة بادي الأمر، ذلك لأن الأصل في مثل هذا الواقع انبعاث أمثال أشرف وصالح، وقد جعل الله الناس بعضهم لبعض فتنة ودواءً، فإذا كان افتتان الناس بعضهم ببعض وإخلادهم إلى الأرض وركونهم إلى الدنيا قد أفسد الواقع وجعل محاولة تغييره محض اغتراب مرّ، فإنّ الله قد جعل لهم الدواء من جنسهم، وما كان من جنسهم فليس مستحيلاً (وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ).

بيد أن الاستحالة البادية في واقع الضفة الغربية هي طبقات بعضها فوق بعض، ليس أقلّها ولا أدناها الصعوبة العملية التي تجعل من أي عمل؛ عملاً لمرّة واحدة، وكأن الزمن الذي كانت فيه المجموعة تحفظ نفسها بضع سنوات متتابعات قد ولّى إلى غير رجعة، وهذا السبب في حدّ ذاته مما يكبح الكثيرين ممن يأملون الاستمرارية ومراكمة الفعل، فالكاميرات المنصوبة على طول الطرق الالتفافية تتبع المقاوم من تحرك إصبعه على الزناد وصولاً إلى مستقرّه، ويفاقم الأمر كاميرات الفلسطينيين أنفسهم على بوابات دورهم ومتاجرهم ومؤسساتهم، وما هذا السبب الذي يصعّب من آمال الاستمرارية والمراكمة إلا القليل من جملة الأسباب الهائلة التي تنصب المتاريس والعوائق أمام المقاومة في الضفة الغربية.

إنّ الذي ينبعث في واقع كهذا إنّما يدكّ الجدران المصمتة بلحمه الحيّ، وطالما أنّه قد نهض فقد اجتاز أصعب ما يمكن أن يصوّر الأمر مستحيلاً، وهو وهم النفس وخيالاتها المثقلة بصور العوائق وفساد الناس، أمّا وقد وصل الجدارَ ودكّه فقد أظهر للناس الإمكان، وفَطَرَ لهم الطريق، ومهّد لهم سبيل المشي عليها، وجلّى لهم الغاية، وما الحال في مثل هذا إلا كحجارة البيت ترقى بعضها بعضًا، ليس آخرها بغنى عن أولها، وما الشهداء والمقاتلون والثوار إلا نور منثور في الزمان والمكان، يتلقط بعضه بعضًا، فيلتفّ منه قبس الهداية للسالكين وصولاً إلى أقصى الغاية الممكنة.

وإذا كان الذي يذهب هو الزبد، والذي يمكث هو الذي ينفع الناس، فكيف بالذين يتخذهم الله، ويختار لهم الحياة الحقّة في العالم الآخر، ثم يجعل لهم نورًا (وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ)؟ فإنّه قارٌّ باقٍ نافعٌ للناس لا ريب، وإنما هم حلقة في سلسلة، وخطوة تتبعها خطوات، وقبضة تلحقها قبضات، فيأتون العدوّ من حيث لا يحتسب، يهدمون عليه السقف الذي أنفق سنواته وأمواله وخبراته في بنيانه، كما يأتون بالنور والهدى للذين من خلفهم، وقد كانت سنّة الفلسطينيين في ثوراتهم الكبرى، وانتفاضاتهم العظمى، أنّها تبدأ بالمحاولات المنثورة، التي يلائمها الوقت حتى تجتمع عظيمة هادرة، وقد قيل إنّ “معظم النّار من مستصغر الشرر”، إلا أنّ شهداءنا عظماء بذواتهم، وعظماء في فعلهم وأثرهم، وعظماء في نفوسنا وعيوننا.

وما علينا إلا أنّ نجيل النظر على الموكب الزاحف منذ أربع سنوات ونصف، بشهدائه وأسراه وأبطاله كل بما استطاعه، فإنّنا حينئذ سوف نرى أن أشرف وصالح لم يكونا من قلّة، وإنما هم بعض من طليعة لا تنظر خلفها، ولا يضرّها من هبط دون غايتها، وأنّ الله يخلق في الناس خلقًا يشبه الناس ولا تحطّ من أمنياته العليّة أمنيات الناس الدنيّة، ثم سيظهر لنا أنّ هذا النور مهما حجبته تلك الطبقات المتراكمة، لا يمكن أن ينطفئ، وأنّ يزوغه قدر لا رادّ له.

إقرأ المزيد
https://palinfo.com/248549
جميع الحقوق محفوظة – المركز الفلسطيني للإعلام

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق