مقالات رأي

قبلة على جدار بارد.. حكايات من الأسر

الكاتب | ثامر سباعنه

المكان: سجن شطه المركزي
الزمان : سنة 2013م

علمنا أنه قد سمح لزوجة الأسير عبد السلام ابو الهيجاء بزيارته بتصريح امني – أي زيارة واحده فقط – وسيكون معها بالزيارة جمال ابن عبد السلام.

فرحنا جميعا لهذا الخبر، ليس لانها اول زيارة لعبد السلام فقط، بل لأنه لأول مرة سيرى الشيخ جمال أبو الهيجاء حفيده جمال، الشيخ جمال الخارج من العزل الإنفرادي حديثا.


قبل الزيارة بيوم واحد اقترب الشيخ جمال مني وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة جميلة وقال لي : كم اتمنى ان احضن جمال الصغير ، كم احن لاحتضانه وكم احب ان اطبع قبلة على خدود حفيدي الصغير.

شاركت الشيخ جمال الدعاء ، وتمنيت ان يتم ذلك ليسعد قلب الشيخ ، وقبل ان ينام الشيخ ليلته ذهب وخفف من لحيته الطويله قائلا : حتى الاعب بها جمال الصغير غدا وانا اقبله.


جمال الصغير اصبح عمره عامان وهو لم يرى جده، ولم يراه الجد ابا عبد السلام ، فيوم قدوم جمال الصغير الى الدنيا كان جده جمال الكبير في الاسر بل كان في زنازين العزل بزنزانة واحده مع الاسير القائد احمد سعدات وليلتها سمعا الاسير المعزول بجانبهم وليد خالد يصيح بصوت عال:


اليوم في مخيم جنين جمال عبد السلام جديد، 
صمت الشيخ جمال وفكر بكلام وليد خالد ، ليسارع سعدات ليبارك للشيخ : مبارك يا ابا عبد السلام فقد رزقت بحفيد وقد اسموه جمال على اسمك.

جاء صباح يوم الزيارة، وانتظرنا ان تاتينا اسماء الزوار، تأخرت الاسماء، بدأ القلق يدخل قلوبنا.


جاء اسماء الفوج الاول من الزوار ولم يكن اسم الشيخ من بين الاسماء، زاد القلق والتوتر والانتظار الصعب .. القاسي.


ثم جاءت قائمة اسماء الفوج الثاني من الزوار ، وكان اسم الشيخ جمال موجود لكن لم تكتمل الفرحه لان اسم ابنه عبد السلام ليس بالقائمه انما في الفوج الثالث ، أي ان زوجة عبد السلام وابنه جمال لن يروا الشيخ جمال!


أي قانون وضع هذا النظام !! واي انسانية هذه التي تقسم الوالد عن ولده وتمنع رؤية الجد لحفيده!، لا اظن ان هنالك احتلالا مارس الظلم والقهر كما مارسه هذا المحتل.


رفض كل الاسرى بالقسم هذا القرار، وبدا الضغط على الادارة، وهدد الاسرى بالقسم بالامتناع عن الخروج لزيارة اهلهم ان لم يزور الشيخ وابنه في نفس الفوج، زاد التوتر في القسم، وبدا الاسرى التحرك في ساحات القسم بشكل يوصل للادارة رسالة غضب.


اخيرا وافقت الادارة ان تتم الزيارة بنفس الفوج ومع بعضهم البعض، فرحنا كثيرا وبدأ الانتظار الاخر: لحظة عناق جمال الكبير وجمال الصغير.


جاء الموعد وخرجنا باتجاه مكان الزيارة ، وهنا همس عبد السلام باذني قائلا : سبحان الله ، قبل عشر سنوات جئت الى هذا السجن لازور ابي في هذا السجن وهذا المكان ، واليوم ابني قادم لزيارتي وزيارة ابي.


دخلنا الى غرفة الزيارة، ودخل الاهل، كم عمت الفرحة الممتزجه بالحزن والالم، واختلطت الدموع بالبسمه والشوق بالجرح.

لكن من اعتاد ان يقتل الانسانيه وان يزرع الدمع والحزن والالم في القلوب ، لن يترك عادته ومنهجه ، ولان حكاياتنا ليست مسلسلا او حكايه من حكايات الف ليلة وليله او رواية تنتهي بنهاية سعيدة ، بل حكايتنا حكاية اسر ووجع فقد رفضت ادارة السجن ادخال جمال الصغير الى حيث يجلس جده ووالده ، واكتفت بابقائه خلف الجدار الزجاجي الفاصل بينهم.


انتهت الزيارة، 
وقبل ان يغادر الزوار، اقترب جمال الصغير من جده جمال الكبير، وطبع قبله على الجدار الزجاجي الفاصل بينهم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق