بحثاً عن مخرج من المأزق: إسرائيل ومصر تسعيان إلى هدنة مع حماس

الكاتب: عزام التميمي

بعد شهور قليلة من صدور كتابي “حماس فصول لم تكتب” في بريطانيا (والذي يحمل في الطبعة الأمريكية عنوان “حماس تاريخ من الداخل”) تواصل معي باحثون في مركز للدراسات مقرب من إحدى الحكومات الأوروبية الغربية، وسألوني إن كنت على استعداد للجلوس مع ثلاثة من كبار المسؤولين السابقين في إسرائيل، والذين يبدو أنهم قرأوا كتابي أو اطلعوا على أجزاء منه، لأشرح لهم ماذا يعني مصطلح الهدنة عند حركة حماس وكيف يمكن أن تتحقق الهدنة مع إسرائيل في أرض الواقع. كان أحد الثلاثة وزير خارجية سابق، وأما الثاني فكان رئيس هيئة أركان سابق، بينما كان الثالث مديراً سابقاً لمكتب رئيس الوزراء.

وبعد عدة أسابيع من تلك الندوة التي استمرت ليومين، وحاورت فيها المجموعة المذكورة في مكان ما في أوروبا الغربية حول مفهوم الهدنة، أبرمت إسرائيل وحركة حماس أول هدنة رسمية بينهما لمدة ستة شهور تم إنجازها بوساطة مصرية ودخلت حيز التنفيذ في التاسع عشر من يونيو/ حزيران 2008. إلا أن إسرائيل بادرت بانتهاك الهدنة في الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني 2008 حينما شنت هجوماً على نفق ادعت أن حماس تعده لأغراض هجومية ولاختطاف جنود إسرائيليين، رغم أن حماس نفت ذلك بشكل قطعي في حينه. وبدلاً من اغتنام فرصة إعلان حماس عن استعدادها للعودة إلى الهدنة استغلت إسرائيل التوتر الحاصل لتشن هجوماً شاملاً على قطاع غزة أطلقت عليه اسم “عملية الرصاص المسكوب” وأطلقت عليه المقاومة الفلسطينية اسم “معركة الفرقان”. استمر العدوان الإسرائيلي حتى الحادي والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2009.

منذ ذلك الحين شنت إسرائيل على الأقل هجومين كبيرين آخرين على غزة، ناهيك عن العديد من الاعتداءات والاجتياحات والاغتيالات التي لم تكد تتوقف. ففي الرابع عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 شنت إسرائيل هجوماً جوياً مستهدفة أحمد الجعبري، قائد الجناح العسكري في حماس، كتائب الشهيد عزالدين القسام. ما لبثت عملية الاغتيال أن تطورت إلى عملية عسكرية واسعة النطاق أطلقت عليها إسرائيل اسم “عمود السحاب” وأطلقت عليها حماس اسم “معركة حجارة السجيل”. وبعد أيام من التفاوض بوساطة مصرية توصلت إسرائيل وحماس إلى هدنة أعلن عنها في الحادي والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني.

وأما العملية الكبيرة الثالثة فكانت في الثامن من يوليو/ تموز 2014، حين شنت إسرائيل هجوماً أطلقت عليه اسم “عملية الجرف الصامد” وأطلقت عليه كتائب الشهيد عزالدين القسام اسم “العصف المأكول”. كانت تلك من أطول وأشد الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة في التاريخ المعاصر، حيث استمرت المعارك حتى السادس والعشرين من أغسطس/ آب 2014 وراح ضحية لها 2251 فلسطينياً وأحد عشر ألفاً ما بين جريح ومعاق، ناهيك عن الدمار الشامل الذي لحق بالبنية التحتية في القطاع.

كان هدف إسرائيل من العمليات العسكرية الكبيرة باستمرار هو القضاء على حماس، أو على الأقل إخضاعها ونزع سلاحها. إلا أن كل تلك المحاولات باءت بالفشل الذريع، وكانت كل واحدة من تلك الحروب الدموية المدمرة تنتهي بإبرام هدنة بين الطرفين بوساطة مصرية.

واليوم، تتوسط مصر من جديد بين حماس وإسرائيل للتوصل إلى هدنة توقف العنف على الحدود بين الطرفين وتخفف الحصار المفروض على قطاع غزة من قبل إسرائيل ومصر معاً. ذهب البعض إلى التخمين بأن الوساطة المصرية إنما تأتي استجابة لمطلب أمريكي تمهيداً لتطبيق خطة وضعها صهر الرئيس الأمريكي ترامب وباتت تعرف باسم “صفقة القرن”. إلا أن قادة حماس ينفون نفياً قاطعاً أن يكون للمحادثات التي تجري هذه الأيام في القاهرة أدنى علاقة بخطة جاريد كوشنر المذكورة. ويرى هؤلاء القادة أن ما يحفز إسرائيل على الإقبال على المفاوضات غير المباشرة مع حركة حماس إنما هو الحالة التي أوجدتها مسيرات العودة الأسبوعية وما رافقها من وسائل جديدة ابتدعها سكان غزة لإضرام النار باستخدام الطائرات الورقية والبالونات في حقول ومزارع المستوطنين على الجانب الآخر من السلك الشائك، وهي الأراضي التي يرى معظم سكان غزة أنها وطن آبائهم وأجدادهم الذي أخرجوا منه ظلماً وعدواناً وحرموا من العودة إليه. من الجدير بالذكر أن استخدام الطائرات الورقية والبالونات إنما جاء كرد فعل على استهداف القناصة الإسرائيليين للمتظاهرين العزل، مما أودى بحياة المئات منهم وأصاب الآلاف بجروح.

المثير في شأن هذه الجولة من المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وحماس أن الطرف الوحيد الذي يبدو ممتعضاً منها ويعارض بشدة أي جهود من هذا الشكل قد تؤدي إلى رفع الحصار عن غزة هو السلطة الفلسطينية في رام الله، وذلك أن رئيس السلطة محمود عباس يريد قبل كل شيء أن تذعن له حماس وتعيد قطاع غزة إلى سلطته، ولعله يرى أن من حقه احتكار أي تفاهم مع إسرائيل، بحيث لا يجري التفاوض معها على شيء إلا من خلاله. في نفس الوقت، يعتقد عباس جازماً أن الحصار المفروض على غزة هو السبيل الوحيد لإجبار حماس على الخضوع وتسليمه مقاليد الأمور في القطاع.

رغم بغض السلطة في مصر لحركة حماس واعتبارها جزءاً من جماعة الإخوان المسلمين، خصمها اللدود، إلا أن مسؤوليها يعملون بجد على ما يبدو ويتوقون لتحقيق نجاح في جهودهم للتوسط بين حماس وإسرائيل. صحيح أن العلاقة بين النظام في مصر وحركة حماس لا تخلو من بغض وتوجس وتريب متبادل، إلا أن كلاً منهما بات بحاجة ماسة إلى الآخر، ولا يجد أي منهما في نفسه القدرة على تحمل تبعات إضاعة الفرص الثمينة المتاحة، والتي تتمثل بالنسبة لحماس في رفع الحصار أو على الأقل التخفيف من وطأته، بينما تتمثل بالنسبة لمصر في متطلبات الأمن والسلامة في شمال سيناء وعبر الحدود.

أما بالنسبة لمحمود عباس فلا يبدو أن المصريين يهمهم كثيراً ما يشعر به الرئيس الفلسطيني تجاه مسألة الهدنة، وهم الذين تحالفوا مع عدوه اللدود محمد دحلان المقيم في الإمارات، والذي تفضل السلطة في مصر رؤيته متربعاً في مقعد الرئيس في رام الله. ولعل من المفارقات أن حماس، أو على الأقل بعضاً من قادتها داخل قطاع غزة، لا يرون مشكلة في التفاهم مع دحلان ولا في التعامل معه، وخاصة بعد أن تبين لهم بالدليل القاطع تورط محمود عباس في حملة الحصار المفروض على القطاع وما ثبت أيضاً من أن قطاعاً متزايداً من قواعد فتح بات يوالي دحلان، ولعل الفضل في ذلك يعود إلى سخاء محمد بن زايد، الحاكم الفعلي للإمارات الذي اتخذ من دحلان نديماً وخليلاً.

ولا تتوقف المفارقة عند ذلك. فالضربة التي تلقاها مشروع حل الدولتين، بفضل وجود حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل ورئيس يميني متطرف داخل البيت الأبيض، بعثت على التفكير في حل مؤقت للنزاع لا يقوم على الاعتراف المتبادل، مقارنة بحل الدولتين الذي يقوم على مفهوم الاعتراف المتبادل (وإن كانت إسرائيل حتى الآن لا تعترف إلا بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني ولا تعترف بوجود دولة فلسطينية) وبالأرض (أو بعض منها) مقابل السلام. بالإضافة إلى ذلك، لم يعد يوجد في إسرائيل يسار ذو مصداقية قادر على خوض معركة سياسية في سبيل تحقيق حل الدولتين ومبادلة الأرض بالسلام. وفي المقابل، من كان يعتقد بجدوى هذا الحل من الفلسطينيين إما أنه صحا من غفلته وتخلى أو أنه بات جزءاً لا يتجزأ من جهاز السلطة الذي هو امتداد للاحتلال الإسرائيلي، وهؤلاء يبدون في أعين كثير من الفلسطينيين مجرد عملاء للاحتلال لا أكثر. إذ لم يعد يخفى على الفلسطينيين في الداخل وفي الشتات أن الاعتراف المتبادل ما هو في واقع الأمر إلا إقرار بالاحتلال وإذعان له. ولا أدل على ذلك من أنه، وبعد ربع قرن من التوقيع على اتفاقيات أوسلو، لم يبق من الأرض الفلسطينية بأيدي الفلسطينيين ما يسمح لهم بإقامه دولة فلسطينية ذات معنى.

نجم عن إخفاق جهود المصالحة بين حماس وفتح حتى الآن وعدم القدرة على رأب الصدع بين القطاع والضفة وجود سلطتين متنازعتين ومتناقضتين داخل كيانين منفصلين يتوزع فيهما فلسطينيو الداخل. وبينما تنعم إسرائيل بالأمن والأمان في الضفة الغربية بفضل التعاون الأمني الذي تقدمه السلطة الفلسطينية التابعة لحركة فتح في رام الله، تستمر غزة التي تسيطر على مقاليد الأمور فيها حركة حماس في التسبب لإسرائيل بصداع دائم. ومن هنا وجدت إسرائيل نفسها مضطرة للتعامل مع حماس.

بينما لا يعترف أي من الطرفين، حماس وإسرائيل، بحق الآخر في الوجود إلا أن أياً منهما لا يملك إجبار الآخر على الاختفاء من الوجود. وهنا تكمن المعضلة، حيث يجد الطرفان نفسيهما مضطرين للإقرار بأمر واقع كلاهما يمقتانه ولا يريانه شرعياً ولا مقبولاً. فإسرائيل موجودة تحتل بشكل مباشر معظم أراضي فلسطين التاريخية، وحماس موجودة داخل هذا القطاع الساحلي الأكثر كثافة سكانياً وربما الأشد فقراً على وجه المعمورة. وطالما أنه لا قبل لأحد بتغيير هذا الواقع فلا مفر في نهاية المطاف من التفاوض لحل المشكلات العالقة والناجمة عن هذا الواقع.

وفي هذا المجال، أثبتت الهدنة نجاعتها، كصيغة لا تتطلب من أي من الطرفين الاعتراف بشرعية وجود الآخر.

تعود فكرة الهدنة عند حركة حماس، وكما شرحت بالتفصيل في كتابي المشار إليه أعلاه، إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي. فقد أشار إليها حينذاك الدكتور موسى أبو مرزوق، الذي كان يشغل منصب رئيس المكتب السياسي للحركة، في تصريح نسبته إليه صحيفة السبيل الصادرة في عمان في شهر فبراير/ شباط من عام 1994. كما وردت الإشارة إلى مفهوم الهدنة أيضاً داخل فلسطين في زمن متقارب على لسان مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين بينما كان لايزال معتقلاً عند الإسرائيليين. حينها عرض الشيخ أحمد ياسين الهدنة كحل مرحلي للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وذلك عندما زاره في زنزانته بعض كبار المسؤولين الأمنيين وطالبوه بالتدخل لدى الحركة حتى تتوقف عن شن العمليات الاستشهادية، وكانت قد بدأتها لتوها رداً على المذبحة التي ارتكبها مستوطن يهودي اسمه باروخ غولدستين ضد المصلين داخل الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل في الخامس والعشرين من شهر فبراير/ شباط من عام 1994، الموافق للخامس عشر من شهر رمضان المبارك.

كثيراً ما يدعي الإسرائيليون أنهم لا يعيرون مقترح الهدنة كثيراً من الاهتمام، ولكن، وكما ذكرت آنفاً، لم يتوقفوا عن البحث في الأمر، وليس فقط في أوساط المسؤولين السابقين الذين أشرت إليهم سابقاً. فعلى مدى ما لا يقل عن أربعة أعوام من سنة 2010 وإلى أن وقع الانقلاب العسكري في مصر في سنة 2013، فوض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنجامين نتنياهو ممثلاً شخصياً له للمشاركة في سلسلة من اللقاءات عقدت في أوروبا وحضرها أفراد على صلة بقيادة حماس في الدوحة وفي غزة لاستطلاع فرص إبرام صفقة هدنة طويلة المدى وإمكانية التوصل إلى صفقة لتبادل الأسرى والمفقودين.

حينما كان الرئيس محمد مرسي في السلطة كانت الحكومة الإسرائيلية اليمينية بزعامة نتنياهو ماتزال تبحث بجد عن قناة خلفية للتواصل مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر ومع مكتب الرئيس، وكذلك مع حركة حماس. كان مبعوث نتنياهو إلى أوروبا شديد الحرص على النجاح في مهمته، وكان يلح على من يجتمع بهم السعي معه لإقامة تلك القناة. ولكن قيادة الإخوان المسلمين في القاهرة لم تكن متحمسة للأمر، بل وكانت ترتاب في النوايا الإسرائيلية. على أية حال، وقع الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو/ تموز 2013، وأطيح بأول رئيس منتخب ديمقراطياً في تاريخ مصر. وعندها شعر الإسرائيليون بالارتياح وساد في أوساطهم الاطمئنان، إذا عادت الرياح تجري بما يشتهون، وعاد واستولى على السلطة في مصر أصدقاؤهم المؤتمنون.

في الجانب الفلسطيني، فقدت حركة حماس بعد الانقلاب العسكري في مصر قدراً كبيراً مما كانت تحظى به من دعم إقليمي. فبينما ذهبت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية تعاملها بعداوة بالغة، قطعت إيران عن الحركة معظم ما كانت تقدمه لها من دعم مالي عقوبة لها على رفضها الانحياز إلى جانب النظام السوري بعد انطلاق الثورة وعلى قرارها الخروج من سوريا. وزادت مصاعب الحركة مع انطفاء شعلة الربيع العربي، الأمر الذي حفز الإسرائيليين وحلفاءهم الإقليميين على تشديد الخناق على قطاع غزة أملاً في إخراج حماس منها أو في إثارة الناس في القطاع ضدها. ولكن جهودهم باءت بالفشل.

وسواء كان حافزهم هو ترتيبات “صفقة القرن” أو القلق من أن ينفجر قطاع غزة في وجوههم، يسعى المصريون والإسرائيليون الآن إلى التوصل إلى تفاهم مع حركة حماس. ويُعتقد بأن المحادثات الماراثونية التي تجرى هذه الأيام في القاهرة تهدف بشكل عام إلى ضمان الأمن والاستقرار في المنطقة وتجنب اندلاع موجة أخرى من القتال. لا توجد حتى الآن كثير من التفاصيل، وإن كان يستدل مما قاله الأخ خالد مشعل مؤخراً في برنامج حوار لندن على قناة الحوار أن حركة حماس بإمكانها أن تعرض الهدنة مقابل رفع الحصار. ولم يستبعد أن تشهد طاولة المفاوضات البت في قضايا أخرى تهم الطرفين، بما في ذلك صفقة لتبادل الأسرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق